بشار نرش

يبدو أن معالم التغيير المنشود في مقاربات الحكم ومنهجيته وآلية توزيع السلطات في ليبيا لن يكتب لها التغيير، فلا شيء فيها يسير كما يشتهيه الشعب المغلوب على أمره مقابل إرادة الفرقاء الليبيين الذين جلّ همهم واهتمامهم تقاسم المناصب والثروات وفقاً لمعايير تصبّ في مصالحهم.

فما خَلَصَ إليه اتفاق بوزنيقةالمغربية ، بشأن توزيع المناصب السيادية بناءً على المحاصصة الجغرافية والجهوية بين أقاليم ليبيا الثلاثة (طرابلس، فزان، وبرقة)، أثار انتقادات وتساؤلات كثيرة بشأن جدوى هذا الاتفاق الذي يستحضر شبح الديمقراطية التوافقيةفي كل من لبنان والعراق (مع الفارق في الشكل والتكوين)، والذي سيقود، في حال تطبيقه، حسب مخرجات الاتفاق، إلى انضمام ليبيا إلى محور دول الديمقراطية التوافقيةالعربية عبر محاصصة جهوية قبلية تقوم على التثليث الجغرافي“.

ما يجري قد يؤدي إلى الوقوع في فخ المحاصصة الدائمة التي ستصبح من الدعائم الثابتة للحكومات الليبية المتعاقبة

يوجد اليوم مؤشّران عمليان لشبح ديمقراطية المحاصصة في ليبيا، المستند إلى التثليث الجغرافي“. يتعلق الأول بالاتفاق الذي تم بين وفدي مجلسي النواب والدولة في بوزنيقة المغربية على توزيع المناصب السيادية على أساس جغرافي:

تتولّى المنطقة الجنوبية منصبي رئيسي المحكمة العليا وهيئة مكافحة الفساد،

تتولّى المنطقة الشرقية منصبي محافظ مصرف ليبيا المركزي وهيئة الرقابة الإدارية،

تتولّى المنطقة الغربية مناصب رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات والنائب العام.

وهذا يدلّ على غياب مفهوم الدولة الوطنية في الوقت الراهن، فضلاً عن عدم وجود إرادة سياسية لتقديم تضحياتٍ شخصيةٍ لحساب الوطن، الأمر الذي دفع إلى الالتجاء إلى الجهوية والمناطقية، للفصل في قضية توزيع السلطة وحسمها بين الفرقاء الليبيين، على الرغم من أنّ هذا الأمر لن يجدي نفعاً في إيجاد حلول للأزمة الليبية، بل على العكس سوف يؤدي إلى تدويرها واستفحالها، وبالتالي الوقوع في فخ المحاصصة الدائمة التي ستصبح من الدعائم الثابتة للحكومات الليبية المتعاقبة.

فتوزيع المناصب العليا هنا لن يكون محتكماً إلى آلية الكفاءة والخبرة والجدارة بالمسؤولية، وإنما سيكون، وبقوة كان اتفاق بوزنيقة، مرتهناً إلى الحظوظ والفرص المتاحة قانوناً أمام كل قبيلة ومنطقة، تأسيساً لتمثلية الانتماء الجهوي والقبلي والولاءات السياسية والعقائدية، بحيث يكون لكل قبيلة أو منطقة نصيب من غنيمة المناصب، الأمر الذي يُفسد الحياة السياسية في ليبيا، ويُوجِد مسؤولين ليست لهم دراية بإدارة دفة الدولة.

وهذا ما يحصل في لبنان والعراق حالياً باسم الديمقراطية التوافقيةوالمحاصصة التي أدّت بعد تطبيقها في البلدين إلى أزمات وتناحرات واغتيالات وحروب وفراغ وفساد إداري ومالي، إلى جانب جعل مؤسسات الدولة رهينةً لولاءات خارجية ومحاصصات طائفية وحزبية داخلية.

لقد تحوّل البلد إلى جزر منفصلة، لكل جزيرة زعيمها وسلاحه واستثماراته وحصته من المناصب في الوزارات والمؤسسات، يبادر فيها كل زعيم إلى الدفاع عن ممثليه في السلطة ورفض محاسبتهم، لأن من شأن ذلك أن يعدّ خروجاً عن لعبة التوافقات التي تقتضي، في النهاية، تبادل غضّ الطرف عن الأخطاء والانتهاكات، تحت سقف الاتفاق السياسي والتسوية السياسية وتفاهمات الأفرقاء التي لا يجوز الإخلال بها وكسرها.

يواجه اتفاق بوزنيقةمعارضةً ورفضاً من أغلب القوى السياسية والاجتماعية والقضائية، ومن نواب وشخصيات ترى فيه تشريعاً للمحاصصة وترسيخاً للديمقراطية التوافقية

ويتمثل المؤشر الثاني في الرعاية الإقليمية والدولية لهذا الخيار تحت سقف الأمم المتحدة، والذي يبدو أنه يأتي انعكاساً للصراع الخارجي بين مجموعة من القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في الأزمة الليبية، والتي اقتصرت رؤيتها للحل في إشراك الطرفين الأساسيين في الخلاف والنزاع، المجلس الأعلى للدولة بما فيه حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، ومجلس النواب في الشرق المساند للواء خليفة حفتر، وكأنه لا وجود في ليبيا إلا لهذين الطرفين.

لذا يواجه اتفاق بوزنيقةمعارضةً ورفضاً من أغلب القوى السياسية والاجتماعية والقضائية، ومن نواب وشخصيات ترى فيه تشريعاً للمحاصصة وترسيخاً للديمقراطية التوافقيةالتي قد تكون سبباً للحديث عن تقسيمات جغرافية جديدة في ليبيا، تتجاوز التثليث الجغرافيالمتعارف عليه تاريخياً (طرابلس، فزان، وبرقة) إلى تقسيمات أخرى، ربما قد يكون أحدها إضافة إقليم برقة البيضاء الذي يضم قبائل الجنوب الشرقي الممتد من مدينة أجدابيا شرقاً إلى سرت غرباً، ومدينة الكفرة جنوباً، كإقليم رابع في ليبيا، الأمر الذي قد يُمهّد مستقبلاً لتفتيت ليبيا كما حصل في العراق.

هدف الفرقاء الليبيين من اتفاق بوزنيقةهو اقتسام المناصب بينهم، لإعادة تدوير الأسماء وفق توزيع جديد بناءً على المحاصصة الجغرافية والجهوية بين أقاليم ليبيا الثلاثة

في المحصلة، يمكن القول إنّ هدف الفرقاء الليبيين من اتفاق بوزنيقةهو اقتسام المناصب بين هؤلاء الفرقاء، لإعادة تدوير الأسماء وفق توزيع جديد بناءً على المحاصصة الجغرافية والجهوية بين أقاليم ليبيا الثلاثة، وكأن الأمر يتعلّق بكعكةٍ يسعى كل طرف إلى نيل نصيبه منها، في حين أنّ معيار الكفاءة والجدارة هو آخر اهتمامات هؤلاء الفرقاء، فضلاً عن راعي هذا الحوار، الأمم المتحدة والدول الإقليمية والدولية الفاعلة في الأزمة الليبية.

هذه المناصب العليا وغيرها هي التي ستمكّن الأطراف المتصارعة، ومن يقف وراءها من قوى إقليمية ودولية، من وضع اليد على القرار وعلى مفاصل الدولة، ما سيؤدي إلى السيطرة على ثروات الطاقة التي تسيل لعاب الداخل والخارج.

أي حل في ليبيا يقوم على توزيع المناصب وتقاسم الغنائم بين الفرقاء الليبيين لن يبني دولة وطنية، ولن يحقق تنمية حقيقية، بل سيعزّز من الانتماءات القبلية والجهوية التي ستمنع الوصول إلى رأي عام جامع، وبالتالي تكريس الخلافات بين الأقاليم، والتي قد تؤدي مستقبلاً إلى التقسيم.

___________________

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *