محمد مصطفي رمضان مذيع لامع متميز وكان أول ليبى يحترف العمل الإذاعى فى العالم الغربى وتحديدا فى هيئة الإذاعة البريطانية.. (1966 ـ 1980) وهو نموذج للشخصية الليبية .. بشوش طيب القلب نظيف الوجه مرهف الحس والوجدان. كان صوته رنانا مميزا. وكان كاتبا معروفا ليس فقط محليا بل على مستوى العالم العربى والإسلامى أيضا. وترك بصمة واضحة من خلال أسلوبه ورصانته وإجتهاده.

ولد عام 1944… إبن أحد الشخصيات الليبية المعروفة .. الحاج مصطفى بن رمضان ، ودرس الثانوية ونالها من مدرسة طرابلس عام 1963 وبعدها التحق بالجامعة الليبية ثم توقف عن الدراسة ليتفرغ للعمل الإذاعى.

كتب القصة القصيرة ونشر فى جريدة ” فزان ” بالجنوب الليبى طوال عام 1960.. والتحق بإذاعة المملكة الليبية مذيعا وقدم العديد من البرامج الثقافية ونشر مجموعة من المقالات والخواطر فى مجلتها عام 1964.. واشتغل ايضا بفرع الإذاعة ببنغازى .. وكذلك فرعها بالبيضاء.. ثم انتقل للعمل القسم العربي فى هيئة الإذاعة البريطانية كموظف ثم مذيع ومقدم برامج.

 وكان من العرب القلائل بالإذاعة .. ومن مشاهيرها أيضا وله عشاقه بالعالم العربى والإسلامى … حيث كان متميزا فى جمله وتحياته مثل ” هنا لندن .. هيئة الإذاعة البريطانية” أو عبارته ” ختاما محمد مصطفى رمضان يحييكم ويترككم فى أمان الله ” ومن تحياته الخاصة أيضا ” سلام عليكم من الله ورحمة منه وبركات “.

 تميز بسلامة لغته وحسن بيانه وصوته المميز وعباراته المشهورة وقراءته المتأنية .… ومن برامجه .. برنامج” إخترت لك“، واستمر بالعمل بالإذاعة البريطانية حتى السبعينات، واصل دراسته بالحقوق وحصل على الليسانس بالإنتساب لجامعة” محمد الخامس ” بالمغرب
أصدر عام  1969.. كتابه الشهير..” الشعوبية الجديدة”..من 16 فصلا ومقدمة قال فيها:

“انا أعرف أن هذا الكتاب سيثير أكثر من إتهام و إتهام وأكثر من تشهير وتشهير وأعرف أيضا أن الأبواب ستوصد دونه فى أكثر من مكان ولكن هذا وذاك انما يتضاءلان بجانب الراحة النفسية التى منحتها هذه الفصول لى فقد قلت فيها ماظللت سنوات طوالا لا أجد سبيلا إلى نشره على الناس”
أثناء وجوده بلندن كتب بعض المقالات بجريدة ” العرب” أيام إدارة السيد “رشاد الهونى” لها.. قدم العديد من البرامج المتميزة بإذاعة لندن منها برنامج ” خمس دقائق “. وبرنامج “مايطلبه المستمعون “… وانتسب أيضا إلى جامعة “برمنجهام” قسم الدراسات الاسلامية لمواصلة دراسته العليا عن ” نظام الحكم فى الإسلام ” كان صاحب ثقافة واسعة.. كما عرف بمواجهته للنظام السابق ومعارضته له..وحتى قيامه بإرسال رسائل انتقاديه له .. بدايات السبعينات. ..

كان محمد مصطفى رمضان في مقدمة الأصوات التي انبرت لكشف مثالب الحكم العسكري والتنديد بممارساته القمعية ويمثل خطاب زواره نقطة تحول هامة جدا في مسيرة القذافي. فقد برزت من خلاله وبكل وضوح نزعة القذافي الفردية وروحه الدكتاتورية التسلطية. واتضحت معالم طموحاته السياسية في القضاء على مخالفيه، وقمع جميع أنواع التجمع المعارض، وسد الطريق أمام كل الفئات ذات الطموحات السياسية تحت شعار تجريم الحزبية، والرغبة الجامحة في السيطرة والإنفراد بالسلطة واحتكار صناعة القرار.

الرسائل التي حكمت على محمد مصطفى رمضان بالتصفية الجسدية

اشتهرت من بين هذه الرسائل، ثلاثة، كُتبت الاولى منها في 18 فبراير 1972م، وقد طغى عليها صيغة الحوار والمناظرة والطرح العام .

قدم الشهيد في هذه الرسالة، نصائحه وارشاداته حول العديد من القضايا الحساسة، منها على سبيل المثال، نظرة الاسلام الى الصراع الديني والقومي، والتأمر الروسي على الباكستان، والملكية، وقضية الاراضي الزراعية، ورفض الاسلام لجميع انواع الديكتاتوريات، بما في ذلك دكتاتورية “البروليتارية” وحكم العسكر، الذي رأى الشهيد انه سيتحول حتما الى حكم فاشيستي (وكان محقا في ذلك). كما اضاف الشهيد في هذه الرسالة: ان ليبيا في حاجة الى “العدالة الاجتماعية” لا إلى “الاشتراكية”، فهناك العديد من انواع “الاشتراكية”، ولا ندري اي منها نتبع. وتحدث في هذه الرسالة ايضا، عن المناهج وتركيز الغرب عليها. وأكد على اهمية بناء حياتنا على ركائز الايمان بالله. وكان الشهيد يمزج كلماته ونصائحه وارشاداته، بشيء من اللين الايجابي (اي البعيد عن المداهنة) طمعا في ان تجد آراؤه الصائبة، بخصوص هذه القضايا، اذناً صاغية، مما قد يخدم مصلحة الوطن .

اما الرسالة الثانية فقد بعثها الشهيد في سبتمبر1973م، اي بعد خطاب زوارة بخمسة اشهر تقريبا، وتضمنت ردودا وتساؤلات تتعلق بذلك الخطاب (ابريل،1973م)، وكان مضمونها، اكثر مباشرة، ونبراتها اشد حدة، من الرسالة الاولى، دون الخروج عن الاطار العام لاسلوب الشهيد.

كان خطاب زوارة.. اذا.. الدافع الرئيسي وراء الرسالة الثانية. لذلك القت هذه الرسالة الضوء على تناقضات سياسية وامنية عديدة، وردت في ذلك الخطاب، وكانت رسالة جريئة وصريحة ومباشرة، صحح فيها الشهيد اكثر من ثلاثة وعشرين موقفا وقرارا سياسيا وامنيا وقانونيا، اتخذها النظام ضد الاسلام والمسلمين، وبالتالي ضد مصلحة ليبيا والليبيين.

تساءل الاستاذ محمد مصطفى رمضان، في رسالته الثانية عن الحكمة وراء طرد المجاهدين التشاديين من ليبيا، واغلاق مكاتبهم واذاعتهم الموجهة، دون ان تتغير حكومة “فرانسوا تمبلباي” العنصرية المستبدة في تشاد. كما تساءل الشهيد قائلا: كيف تؤيد نظام عسكري في الصومال، يكتب اللغة الصومالية بحروف لاتينية، وكيف تشاركون في قصف جزيرة “ابا” في السودان، وتخلفون مئات القتلى والجرحى من المسلمين، ولماذا تؤيد نظام “عدن”، الذي لا يخفي انه ماركسي، وهو من الانظمة الشرسة التي ترهق المسلمين في “اليمن”. وكيف تقومون بايواء المغاربة الشيوعيين في ليبيا، مع شدة عدائهم للشعب المغربي، في الوقت الذي تعلن فيه حرباً على الشيوعيين في ليبيا.

وكيف ترفض الحزب والحزبية بينما تدخل في وحدة او حلف او تحالف مع البعث السوري، وتغض الطرف في نفس الوقت، عن نشاطات تنظيم البعث السوري القطري في ليبيا. وكيف تعطل القوانين (في خطاب زوارة) لتصبح ليبيا دولة، تُحكم بلا قوانين، ودون تقنين اخر، وكيف تقول عن تعطيل القوانين “ما يهمنيش هذي تصبح تجربة فريدة”. كما تحدث الشهيد عن شرعية الحكم في ليبيا، وضرورة إجراء انتخابات من اجل ترسيخ الشرعية، وتحدث ايضا عن الامن، والاعتقالات العشوائية، والمعتقلين السياسيين، وتغييب الناس في السجون، والغاء الجامعة الاسلامية، والربا، والقومية، والاشتراكية. وقال ان ليبيا اصبحت دولة تُحكم بلا دستور، بل بالاهواء والمصالح .

اما الرسالة الثالثة والتي كتبت في 18 فبراير1977م، فقد ركزت على حالة الامة الاسلامية وما تحتاج اليه من اجل ان تنهض، وركزت كذلك على الدعوة ورجال الدعوة، وعلى بعض المفاهيم الاسلامية المتعلقة باوضاع الامة بصفة عامة. فبعض ما قال الشهيد في هذه الرسالة: ان الله قد ارتضى لنا هذا الدين وسماه “الاسلام” ولم يُسمه شيئا اخر كـ “الاسلام الاشتراكي” مثلا، كما ان امة القرآن التي ننتمي اليها جميعا، لا يصح ان توصف باي صفة اقليمية او عنصرية، لان إلهنا إله واحد، ونبينا واحد، وقبلتنا واحدة، ولا يجب ان يتبنى زعماء هذه الامة وقادتها، وسائل غريبة عن عقيدة هذه الامة، لجمع شتاتها وضم صفوفها. ويواصل الشهيد قائلاً: كما يؤسفني ان ارى رجال الدعوة قد اُبعدوا عنك (عن معمر القذافي) وعن الاتصال بك في الوقت الذي كان يجب ان يكونوا حلفاءك الطبيعيين في تحويل ليبيا الى “دولة اسلامية” على اعتباران “القرآن شريعة المجتمع”. واضاف الشهيد ان القوى الصليبية والصهيونية في كل مكان، تبذل اليوم قصارى جهدها للحيلولة دون ان يفهم المسلمون الاسلام الفهم الصحيح، وان الامة في حاجة الى اذاعة عالمية قوية تُبصرها بحقيقة اسلامها كعقيدة ومنهج حياة، ولتكن هذه الاذاعة تحت اسم “صوت الامة الاسلامية” .

وقد عُثر على نسخة من الرسالة الثالثة، مع احد اصدقاء الشهيد، مذيلة بملاحظة مكتوبة بخط يد الشهيد، تقول:
لقد اُرسل هذا الخطاب (الرسالة الثالثة) قبل اعدامات بنغازي، وقبل اعدامات ضباط الجيش التي تلتها مباشرة، بحوالي خمسة اسابيع، ولو انها حدثت (اي الاعدامات) قبل إرساله، لمزقته شر ممزق، ووضعته في سلة المهملات، لان “الملازم” ولغ في الدم، وكنا قبل ذلك نأمل في عودته الى الطريق .

كان الشهيد يشير، في ملاحظته هذه، الى اعدامات بنغازي التي تمت في7 ابريل1977م، وذهب ضحيتها عمر دبوب (مدرس) ومحمد بن سعود (مدرس) وعمر الورفلي (فنان) واحمد فؤاد فتح الله (عامل من مصر)، ويشير ايضا الى الاعدامات التي تمت في 2 ابريل 1977م، والتي راح ضحيتها واحد وعشرون ضابطا، اعدموا بتهمة الاشتراك في المحاولة الانقلابية التي تمت في اغسطس 1975م والتي عُرفت بمحاولة الرائد عمر المحيشي.

فهل كانت الرسائل الثلاث، التي امتلئت حرصا وحبا للوطن والاسلام، هي السبب في جريمة القتل التي احدثت صدى واسعاً من الحزن والأسى لدى الاوساط الاسلامية والجاليات العربية في بريطانيا، واحدثت موجة من الاستنكار والغضب في اوساط الشعب الليبي. فاقيمت الصلوات على روح الشهيد في كل مسجد، في انحاء العالم، وصله هذا الخبرالفاجعة. ووزعت المناشير وخرجت مظاهرات عديدة تندد بالجريمة ومرتكبيها تلك الجريمة التي لم يستفد منها إلا اعداء هذه الامة بصفة عامة، واعداء الليبيين بصفة خاصة.

وكتب عشرات الكتاب والصحفيين والسياسيين من ليبيا والمغرب وبريطانيا والسعودية والكويت وفلسطين وامريكا ومصر ولبنان وغيرها من الدول، كتبوا مقالات وبيانات تناولت سلوك وعطاء وابداع وطموح واقوال ووصايا وافكار ورؤى وتضحيات الشهيد، ونددوا في نفس الوقت بالنظام واذياله.

الحادي عشر من أبريل هو ذكرى استشهاد الصحفي والإذاعي الليبي محمد مصطفى رمضان الذي اشتهر في الستينات والسبعينات. ففي يوم الجمعة 11 أبريل 1980 وبعد فراغه من أداء صلاة الجمعة في مسجد لندن المركزي، وبينما هو يغادر ساحة المسجد ليلتحق بزوجته وإبنته اعترض طريقه شخصان أطلقا عليه الرصاص من مسافة قريبة في وضح النهار وأمام مرأى ومسمع المصلين والمارة.

كانت تلك الحادثة المروعة واحدة في سلسلة من الجرائم التي خططت لها ونفذتها لجان التصفيات الجسدية التابعة للجان الثورية التي أسسها ويقودها العقيد معمر القذافي.

بدأت علاقة محمد مصطفى رمضان بالعقيد معمر القذافي عبر سلسلة من الرسائل المفتوحة وجهها اليه خلال الفترة ما بين 1972 و 1977. كان محمد آنذاك يعمل مذيعا في القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية وكان مقيما في لندن. والمعروف عنه أنه لم يكن عضوا في حزب أو تنظيم أو جماعة. ولكنه اختار في رسائله تلك أسلوب النصيحة والنقد البناء والحوار السلمي مع القذافي الذي كان آنذاك يطرح أسلوبا جديدا و”نظريات” جديدة في السياسة والحكم والإقتصاد والإجتماع. وكانت السمة الظاهرة فيما طرحه القذافي مزيجا من القومية والإسلام. وكان الإسلام هو القضية الكبرى التي تشغل فكر محمد مصطفى رمضان واهتماماته.

تجاوب القذافي مع تلك الرسائل المشحونة بالتحليل والنقد البناء أحيانا – اللاذع أحيانا أخرى – بأن حاول إغراء محمد بالرجوع الى العمل الإعلامي في ليبيا، ثم العمل في مالطا أو في لندن. وكان ابن عم القذافي أحمد قذاف الدم هو حلقة الوصل بينهما إذ كان له مكتب خاص في لندن يتردد عليه. وكان من بين مهامه استقطاب العناصر الليبية الذكية والمؤهلة للإلتفاف حول قيادة القذافي وما يطرحه من أفكار و”نظريات”.

ولكن سرعان ما بدأت عيوب القذافي تتعرى، خاصة إثر خطاب زواره المشهور في 7 أبريل 1973 الذي أعلن فيه ما أسماه “الثورة الثقافية”. أودع على إثر ذلك الخطاب مئات من خريجي الجامعات والكتاب والمفكرين والإعلاميين والمثقفين السجن لمجرد مناهضتهم لأطروحات القذافي. وازدادت الأمور سوءا بعد تنفيذ حكم الإعدام عام 1975 في مجموعة من الضباط بتهمة الإشتراك فيما عرف بمحاولة عمر المحيشي عضو مجلس قيادة الثورة سابقا.

واتجه القذافي الى أسلوب الحكم بالوسائل القمعية، فسارع بإنشاء “اللجان الثورية” التي كانت مهمتها منذ البداية “حماية الثورة” وتجنيد جميع العناصر التي تمثل أي رفض أو معارضة لخط العقيد القذافي أو تصفيتها. وكان للجان الثورية القدح المعلى في قمع الإنتفاضات الطلابية في الجامعات الليبية في أبريل 1976 وأبريل 1977. فقد تولت وأشرفت على انتهاك حرمات الجامعات وطرد الطلبة وسجنهم ونصب المشانق لهم. ثم انبرت الى عمليات الزحف على البيوت والأملاك والأعمال التجارية والسفارات الليبية حيث شرعت في تنفيذ برامج التصفيات الجسدية (الإغتيالات) للمعارضين في الخارج.

كان محمد مصطفى رمضان – كما يتضح من رسائله الموجهة الى القذافي – في مقدمة الأصوات التي انبرت منذ الأيام الأولى لانقلاب سبتمبر 1969 لكشف مثالب الحكم العسكري والتنديد بممارساته القمعية ومظاهر الفساد المالي والإداري التي صاحبته، والتعريض بما ينشره من انحراف فكري، والتسفيه الفلسفات والنظريات الشاذة التي كان يروج لها.

وصادقت اللجان الثورية بتحريض من معمر القذافي في ملتقياتها على برنامج التصفيات الجسدية وانبث عملاؤها في مدن مختلفة في العالم العربي وأوروبا وأمريكا لملاحقة كل من له موقف معارض. وكانت التعليمات تقول: إذا لم تستطيعوا قتل رؤوس المعارضة فاقتلوا كل من ينتقد النظام ولا يرغب في العودة الى الجماهيرية.

وهكذا أصبح محمد مصطفى رمضان وعشرات الليبيين في الخارج أهدافا في قوائم الإغتيالات. وقد خطط لاغتياله وأشرف على التنفيذ موسى كوسا الذي قاد الزحف على السفارة في لندن في سبتمبر 1979 وكان بحكم الأمر الواقع هو سفير ليبيا لدى بريطانيا. وكان واضحا منذ البداية أن الهدف من تحويل السفارات الى “مكاتب شعبية” هو زرع عناصر المخابرات واللجان الثورية المدربة على القتل والإرهاب في البعثات الدبلوماسية وتسهيل تهريب الأسلحة والمتفجرات.

بدأت حملة التصفيات الجسدية من داخل ليبيا مع أوائل عام 1980. ففي فبراير قتل المحامي المعروف عامر الدغيس والمحامي محمد الصغير، وفي مارس صُفي القانوني الشهير محمد حمي ثم المهندس محمود بانون في أبريل. أما في الخارج فقد استهدفت الحملة سالم الرتيمي (رجل أعمال) في مارس وكلا من محمد مصطفى رمضان (إذاعي) وعبدالجليل العارف (رجل أعمال) وعبداللطيف المنتصر (رجل أعمال) ومحمود نافع (محام) في أبريل. ثم توالت العمليات واحدة بعد الأخرى.

كان محمد جادا وصادقا في رغبته في التحاور مع القذافي وأنصاره.

واندفاعا من روحه الإسلامية الصادقة لم يتردد عندما دعي للإلتقاء بموسى كوسا. وأبدى استعداده للتعاون مع السفارة وتقديم المشورة فيما يتعلق بدعم النشاطات والمؤسسات والمراكز الإسلامية في بريطانيا. ورغم تحذير بعض أصدقائه له من مغبة تلك الإتصالات حافظ محمد على صلته بموسى كوسا الذي كان طوال الوقت يدبر مؤامرة قذرة للغدر به. وفي يوم الجمعة 11 أبريل 1980 وفيما كان محمد يغادر مسجد لندن المركزي وقد فرغ من أداء صلاة الجمعة اعترض طريقه شابان ليبيان أطلقا عليه الرصاص من قرب فأردياه قتيلا.

وأعلنت اللجان الثورية مسؤوليتها عن الجريمة بكل فخر واعتزاز. ومنعت أهله من استقبال جثمانه وإقامة جنازته أو دفنه في بلده فأعيد الجثمان للدفن في لندن. وتبجح موسى كوسا في مقابلة مع صحيفة التايمز اللندنية بتاريخ 10 يونيو 1980 بأن اللجان الثورية هي التي نفذت اغتيال محمد رمضان ومحمود نافع مؤكدا أن التصفيات ستتواصل على الساحة البريطانية.

وفي مـحاكمة لم تستغرق أكثر من 44 دقيقة في لندن اعترف كل من بلحسن محمد المصري (28 سنة) ونجيب مفتاح القاسمي (26 سنة) – وكلاهما ليبي – بارتكاب تلك الجريمة النكراء “تنفيذا لحكم الشعب”. وصدر حكم على كل منهما بالسجن مدى الحياة.

محمد مصطفى رمضان نموذج للشخصية الليبية المسلمة.

فيه الطيبة والعفوية وروح النكتة. كان يحب الخير للجميع. بشوش، طيب القلب، نظيف الوجه، مرهف الحس والوجدان. وكان ثاقب الذهن قوي الحجة، يغضب للحق ويثور من أجل الإسلام والمسلمين. سلاحه الوحيد الذي شهره في وجه طغيان القذافي واستبداده وتطاوله على الإسلام والوطن هو قلمه ولسانه. ولكن القذافي وزبانيته في اللجان الثورية كانوا على درجة عالية من الخسة والنذالة والحقد الدفين لم تسمح لهم بتقبل الحوار السلمي أو الإعتراف لمن يخالفهم الرأي بحرية التعبير. ولذا قتلوا محمدا غيلة وغدرا، فنال الشهادة وباؤوا هم بالخزي والذل والعار.

وإنه ليشرف هذا المنبر المتواضع أن ينشر تباعا خلال الأسابيع المقبلة رسائل الشهيد التي وجهها للعقيد القذافي، علّها تنبه الأجيال الى حقيقة طبيعة النظام المستبد الذي ظل يحكم ليبيا منذ عام 1969. وهي وثائق ذات قيمة تاريخية عظيمة تؤكد أن أساليب هذا النظام في التعامل مع خصومه لم تتغير في جوهرها.. وأنه مهما تمادى في غيه وتعسفه وقمعه فإن ليبيا قادرة على أن تلد الرجال الشجعان القادرين على الجهر بالحق ومواجهة السلطان الجائر مهما طغى أو تجبر.

***

الحلقة الثالثة والعشرون من برنامج ذاكرة إذاعة

نظرا لكثرة السؤال عن المذيع الليبي محمد مصطفى رمضان من الاصدقاء خاصة مجيد سرحان وسارة يوسف واحمد الحاج وخليل برهان الدين وغيرهم ونظرا لسؤال عدد كبير من المستمعين في انحاء كثيرة من العالم العربي وافريقيا ونظرا للطريقة التي قتل بها في ساحة المركز الاسلامي المركزي في لندن بعيد صلاة الجمعة مما جعل الكثيرين يسألون عنه فضلا عن صوته المميز وسلامة لغته وحسن بيانه وعبارته المشهورة سلام من الله ورحمة منه وبركات قررت ان اخصص هذه الحلقة بكاملها له ومحمد مصطفى رمضان ليبي تزوج بمصرية عن طريق قصة حب عبر الاثير ستحدثنا عنه ارملته الفاضلة السيدة نادية وعمل مع البي بي سي في السبعينيات من القرن الماضي الى ان قتل عام 1980 لاسباب لاتتعلق بالبي بي سي ورغم انني لم اعاصره الا انني سمعت الكثير عنه من الزملاء امثال الزميلة هدى الرشيد التي اذاعت خبر مقتله والزميل حسام شبلاق الذي كان ينتظر عودته من الصلاة ليحرر النشرة التي سيقرأها وعلم بالخبر فلم يتمالك نفسه من البكاء والزميل حسن معوض الذي فاجأه الخبر كثيرا ولم اشأ ان اتوقف كثيرا عند هذا الخبر الحزين خاصة في لقائي مع ابنته وارملته .

وافضل شيء هو ان ابدأ هذه الحلقة بتقديم من محمد مصطفى رمضان للفترة الصباحية في ديسمبر عام 1979 وكان من عادة الاذاعة البريطانية ان تبدأ ارسالها بالقرأن الكريم ثم حديث عن العلاقة مع المستمع بما يسمح به الوقت ثم اطلاق دقات بج بن وبعدها نشرة الاخبار

وتأتي بعد ذلك نشرة الاخبار ونشرة ذلك اليوم تناولت باستنفاضة موضوع روديسيا ونلاحظ ايقاعه القراءة المتاني في حينه والفواصل الطويلة

ولما كانت التسجيلات الخاصة بمحمد مصطفى رمضان شحيحة فقد اتصلت بابنته حنان رمضان التي جلبت معها بعض التسجيلات في ثوبها القديم وقمت بتحويلها الى اسطوانة كي نتمكن من تحميلها على جهاز الكمبيوتر الحديث وكان الام السيدة نادية بصحبتها واثرت ان يكون الحديث حول الجانب الاعلامي من شخصية محمد مصطفى رمضان ودار الحوار مع السيدة نادية التي قالت ان قصة زواجها كانت قصة حب عبر الاثيروبطبيعة الحال شاركت في المقابلة ابنه حنان التي حدثتنا بلغة عربية لاتخلو من لكنة انجليزية وكان عمرها عامان ونصف عندما فقدت والدها:

والى هنا ناتي الى ختام حلقة هذا الاسبوع من ذاكرة اذاعة التي خصصتها بالكامل لمحمد مصطفى رمضان رحمة الله عليه

_______________

المصدر: وسائل التواصل

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *