محمد عبدالرحمن بالروين

المقصود بمصطلح «الأزمة» هو نقطة التحول أو الأوقات الصعبة التي يعيشها شعب أو دولة ما، وتتطلب اهتمامات جادة ومواجهة تحديات غير مستقرة وخطيرة، وضرورة اتخاذ قرارات مصيرية وصعبة وفي وقت سريع. بمعنى آخر، هي الفترة التي يحدث فيها نقص شديد أو عجز كبير أو انخفاض حاد في قيم ومكونات حالة أو منظومة معينة مما يؤدي، إذا لم يتم التعامل معها بسرعة، إلى نتائج كارثية ومدمرة للفرد والمجتمع في الدولة.

أما المقصود بمصطلح «الأخلاق» فهي منظومة القيم والمباديء التي يعتبرها شعب ما جالبة للخير وطاردةً للشر، ويعتبرها مرجعية فكرية وثقافية يستلهم منها أعماله وسلوكياته وأنظمته وقوانينه، وهي العامل الأساس لرقي الدول والمجتمعات واستمرارها، وهي عملية ضرورية لإعداد النخب والقادة السياسيين لكي يكونوا قدوة ومثلًا أعلى لأتباعهم ولكل من حولهم، وهي أيضًا مهمة وضرورية لمحاربة الفوضي والفساد والاستغلال المتفشي في مؤسسات الدولة.

والسؤال المهم هنا: متى يمكن القول إن دولة ما تعيش أزمة أخلاقية؟ أي أن منظومتها الأخلاقية قد تراجعت بدرجة سريعة وكارثية؟ والحقيقة أن للمرء أن يعرف ذلك عندما تختفي أو تضيع أهم القيم الأساسية المشتركة بين أفراد مجتمعها، وتحل محلها شعارات ومصطلحات جوفاء ليس لها تعريف واضح ولا محدد حتى عند من ينادون بها، وعندما تصبح السلطة في هذه الدولة الهدف الوحيد لنخبها، ويصبح السياسي فيها ضحية غرائزه الشخصية، ويكون هدفه الوحيد البحث عن اللذة والمتعة والحصول على أكبر قدر من الثروة بأي وسيلة ممكنة ومن أي مكان، ودون الخوف من أي رادع يردعه، وعندما تصبح الرشوة شرطًا أساسيًّا في التداول وأمرًا مطلوبا لتحقيق الصفقات الاقتصادية والسياسية، وعندما لا تحترم النخب السياسية المواثيق التي تعهدت بها، حتى لو كانت هذه المواثيق قد كتبتها بنفسها وفصلتها على مقاسها الخاص! عندما يحدث كل ذلك، اعلم بأن تلك الدولة تعيش أزمة أخلاقية خطيرة ومكتملة الأركان.

أهم القيم الأخلاقية

لعل من أهم القيم الأخلاقية الضرورية لإنجاح واستمرار أي نظام سياسي هي الآتي:

1. النزاهة: تعني ببساطة أن يكون السياسي أمينًا وصادقًا ومخلصًا. وبمعنى آخر، تعني الامتثال لقوانين الدولة في جميع الأماكن وكل الأوقات، وعدم استغلال الفرص والمزايا المتاحة له.

2. الحياد: يمكن القول، من حيث المبدأ، إن الإنسان كائن أخلاقي بطبعه. بمعنى يولد في حالة حياد تام، ومنها ينطلق لاكتساب قيمه وسلوكياته الأخرى، سواء أكانت إيجابية أم سلبية، نافعة أم ضارة، ويحددها المحيط الذي وُجد فيه وحسب اختياراته المصلحية. وعليه على كل مسؤول يريد أن يكسب ثقة أغلبية مواطنيه أن يكون حياديًّا عندما يتطلب الوضع ذلك. بمعنى آخر، يجب على المسؤول ألا يُغلب طرفًا على طرف آخر، وأن يحاول الوقوف مع ما يعتقد أنه الحق، والإفصاح عن أي تضارب في المصالح، وأن يرفض أي هدايا أو مزايا تتجاوز القيمة التي يحددها القانون بغض النظر عن أسبابها وأغراضها.

3. الاحترام، بمعنى الاعتراف بالاختلافات وتقديرها، ومعاملة الآخرين بتواضع وكياسة، والتحلي بالوعي وممارسة ضبط النفس. فالاحترام مكون من أهم مكونات القيم الأخلاقية، إذ يمكن الحكم على شخصيتك من خلال الطريقة التي يراك بها الآخرون ومن خلال كيفية معاملتك لهم. وعليه إن احترام الآخرين واجب على كل شخص يريد أن يُحترَم. ولا يجوز التقليل من الآخرين ولا نبذهم، لأن احترامهم يبني ويعزز الثقة والأمان بين الناس، ويتيح الفرصة للفرد ليعبر عن نفسه دون خوف أو تردد، وعند ذلك تسود المحبة بين الجميع.

4. الالتزام، بمعنى يجب على المسؤول السياسي تأدية واجباته ووظائفه بالطرق القانونية والمهنية، والمحافظة على المعايير المطلوبة، واستعمال علمه ومعرفته الفنية والتقنية بالأساليب البناءة، ولما فيه صالح الوطن والمواطن. وبمعنى آخر، إن الالتزام واجب يتطلب من كل مسؤول القيام به والمداومة عليه لصالح نجاح الدولة وازدهارها، ولا يجب تركه أو التخلف عن أدائه مهما كانت الظروف.

5. الكفاءة، بمعنى الاعتماد على المعرفة والمنطق والخبرة، وهي تعني وجود الشخص المناسب، في الوقت المناسب، في المكان المناسب، وتعني التوظيف العقلاني والمنطقي لموارد المؤسسة البشرية والمادية المتوافرة للمسؤول. وبمعنى آخر، تعني الاستخدام الأنسب والأمثل للموارد المتاحة لتحقيق حجم أو مستوى معين من المخرجات بأقل التكاليف وفي أسرع وقت ممكن. ويمكن اعتبار الكفاءة من أهم معايير ومقاييس التقدم والنجاح لمؤسسات الدولة في تحديد مستقبلها وتحقيق أهدافها.

6. المساءلة، بمعنى يجب على المسؤول أن يقوم بواجباته ويتحمل مسؤوليته، ويعترف بأخطائه، وأن يؤدي مهام وظيفته بأفضل ما في وسعه. بمعنى يجب على المسؤول تحمل المسؤولية عن كل قراراته وعواقب تصرفاته. وبمعنى آخر، يجب عليه أن يكون مسؤولًا عن أفعاله، ومستعدًّا لتوفير التبريرات المنطقية والعملية والمقبولة لاتخاذ قراراته وإجراءاته.

7. الشفافية : من بديهيات الأمور، إن الشفافية هي عكس السرية. بمعنى أن تكون أفعال ونشاطات المسؤول علنية، وأن تكون المعلومات حول المواضيع التي يتعامل معها متوافرة للجميع. وبمعنى آخر، أن يقوم المسؤول بنشاطاته وأعماله وتنفيذها بأساليب مفتوحة وواضحة. وعلى كل مسؤول أن يدرك أن الهدف النهائي من الشفافية هو الوصول إلى أهداف سامية، وتحقيق قيم نبيلة لعل من أهمها ممارسة الصدق والأمانة والإخلاص في القول والعمل.

الخلاصة، إذا سلمنا بالمؤشرات والمعايير السبعة المذكورة أعلاه، أي: النزاهة والحياد والاحترام والالتزام والكفاءة والمساءلة والشفافية، واعتبرناها مقاييس ومعايير ضرورية لوجود (أو غياب) أزمة أخلاقية في دولة ما، فإن المرء يمكن أن يستخلص، وبكل وضوح، أن الوضع السياسي الليبي يعيش هذه الأيام أزمة أخلاقية حادة وخطيرة صنعتها، للأسف الشديد، النخب السياسية المسيطرة على المشهد منذ 2011، تحت شعار «شرعية الأمر الواقع»، وسيطرة «السلاح والمسلحين المرتزقة والوطنيين!»

وفي اعتقادي، أن السبب الرئيسي لهذه الأزمة الأخلاقة يعود إلى غياب الاشتراك في القيم والمبادئ الأساسية، واحترام ما تم الاتفاق عليه بين هذه النخب. فمن المؤسف أن تجد هذه النخب لا تلتزم بما توافقت عليه فيما بينها، ولا تحترم مواثيقها وتعهداتها التي كتبتها بنفسها، ولا تنظر للسلطة إلا أنها مجرد هدف في حد ذاتها، وليست وسيلة لبناء الدولة وتطوير المجتمع.

وتناست هذه النخب أن السياسة الحقيقية تتطلب، من الذين يمارسونها، أن يكونوا أخلاقيين في أعمالهم وسلوكياتهم، وأن يلتزموا بالقيم السبع التي ذكرتها أعلاه، إذا أرادوا النجاح وتحقيق أحلام شعبهم؟

وتكمن أهمية هذه القيم الأخلاقية السبع في أنها تلعب دورًا أساسيًّا ومهمًّا في حياة المسؤول، وتؤثر بشكل مباشر في عمله وسلوكه وتصرفاته، وتساعده على الوصول لأهدافه في حياته المهنية وفي كيفية تعامله مع الآخرين، ومع المواقف الصعبة التي تواجهه، وترشده إلى فعل الصواب واختيار المهام المناسبة له. وعليه، على كل من يريد أن يتعاطى السياسة أن يدرك أنه لا يمكن، بأي حال من الأحوال، فصل الأخلاق التي يعيشها شعب ما عن مجالها السياسي الذي وجدت فيه، وفي هذا الصدد يقول الشاعر حافظ إبراهيم:

إِنما الأمم الأَخلاقُ ما بقيت ** فإِن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

فهل يمكن أن تستوعب نخبنا السياسية الحاكمة هذا الدرس الأخلاقي المطلوب لإصلاح ما يمكن إصلاحه وإعادة بناء دولتنا الحديثة التي يحلم بها شعبنا المظلوم؟!

أدعو الله أن يتحقق ذلك.

والله المستعان.

________________

المصدر: صفحة الكاتب على الفيسبوك

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *