تعد حرية الرأي والتعبير مقدمة أساسية لتشكيل شخصية الإنسان اجتماعيا وسياسيا وهي المدخل لتكوين قناعة ذاتية باتجاه فكري أو أخر أو تصديق معلومة أو تكذيبها وهي أمر داخل الإنسان يتشكل باجتهاده الشخصي، ولهذا نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حق الإنسان في اعتناق الآراء دون مضايقة، وهذا ما أيده العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بأن لكل فرد حق في اعتناق أي رأي دون تدخل.

إذ بحرية الرأي يستطيع الإنسان أن يحدد موقفه من الانضمام لحزب معين أو جمعية معينة، وهذا هو الأساس الديمقراطي، إذ بدون حرية الرأي لايكون هنالك إنسان سياسي واجتماعي وتنعدم الصلة بين الإنسان والسلطة أو بينه وبين المجتمع مما يقود إلى التخلف والتدني والتراجع عن التقدم وذلك لغياب الإبداع الشخصي الذي أساسه حرية الرأي.

وترتبط حرية الرأي بحرية ثانية هي حرية التعبير التي تعتبر وجهين لعملة واحدة، إذ يتطلبان حرية في البحث والاستقصاء وجمع المعلومات وتلقيها ونشرها بأي وسيلة دون التقيد بالرقعة الجغرافية.

ويمكن تعريف حرية الرأي والتعبير بصورة عامة وفق القانون الدولي العام بأنها حرية الشخص في أن يقول ما يفكر به دون ان يطارد وتشمل الحرية في استقصاء الأخبار وتلقيها وإذاعتها بأي وسيلة كانت دون التقيد بالحدود الجغرافية وبأي شكل سواء كانت مكتوبة أو شفهية أو مطبوعة وبأي وسيلة يختارها الشخص. وعلى أساس هذا التعريف فإن حرية الإعلام تمثل حجر الأساس لمضمون حرية الرأي والتعبير.

الواقع أن حقوق الانسان تواجه بصفة عامة جملة من القيود عند ممارستها ومنها حرية الرأي والتعبير، إذ أن هذه الحرية تقيد بمجموعة من القيود القانونية لغرض تنظيم ممارستها ولضمان احترام حقوق أو سمعة الآخرين أو من أجل حماية الأمن الوطني والنظام العام أو الصحة العامة أو الأخلاق العامة، وهذا ما أكدته جميع الاتفاقات الدولية، حيث تحظر بالقانون أية دعوة إلى الكراهية بما يشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف.

وبعض الاتفاقيات الدولية قيدت حرية الرأي والتعبير ببعض الاجراءات والشروط والقيود أو الجزاءات التي ينص عليها القانون والتي تكون ضرورية في كل مجتمع ديمقراطي للحفاظ على أمنه الوطني ووحدته الوطنية ولحماية النظام العام أو منع الجريمة أو لحماية الصحة أو الآداب العامة أو لحماية السمعة أو لحماية حقوق الغير أن لمنع انتشار المعلومات السرية.

إن حرية الرأي والتعبير واحدة من أهم حقوق الانسان وأساس للنظام الديمقراطي لأي دولة من دول العالم وهذا واضح من خلال النص عليه في ميثاق الأمم المتحدة التي تعتد من المنظمات الدولية العالمية إذ اقترنت حرية الرأي والعبير بمقاصد الأمم المتحدة ومنها حفظ الأمن والسلم الدوليين وهذا يدل على عالمية هذه الحرية وأهميتها وإن كانت هذه الحرية قد تقيّد بعض الضوابط والإجراءات والقيوم لغرض تنظيم استخدامها وحفاظا على النظام الوطني والآداب أو الأخلاق العامة والنظام العام وحقوق الغير وغيرها.

وبالرغم مما تقدم فإن هذه الحرية ما زالت تُنتَهك والأسباب عديدة ومختلفة في معطياتها من مكان إلى آخر في العالم فمثلا في الدول النامية إذ ترزخ تحت خطوط الفقر والتخلف وحماية حقوق الإنسان وحرياته آخر اهتمامتها ومنه حرية الرأي والتعبير، في حين أصبحت الدول دولة تدخلية في دول العالم المتقدم التي تمتلك كل أسرار التقدم والتطور العلمي والتكنولوجي، إذ تهتم بكل مجالات الحياة وشؤونها ملبية للحاجات وتحل الكثير من المشاكل ومن مجمل اهتماماتها بالفرد يهدد خصوصيته ويتطي الحق للدولة في مراقبته لما وصلت إليه من وسائل التقدم التكنولوجي الكبير.

على أي حال ورغم كل التحديات التي تواجه حرية الرأي والتعبير باعتبارها حق من حقوق الإنسان لا زال المجتمع الدولي يحاول توفير أكبر قدر ممكن من الضمانات القانونية لها، لذا يتوجب تشجيع هذه الحرية وحمايتها من خلال إعطاء فرصة أكبر لممارستها، إذ تعد الأسال لكل إبداع، وتقدم في المجالات الفكرية والفنية والإبداع الذاتي.

________________

المصدر: هديل مالك و نضال عباس، “دور القانون الدولي في حماية حرية الرأي والتعبير” ـ المجلة السياسة والدولية، عدد 21 (2012)

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *