سالم الكبتي

شيوخ ونواب على الشعب عالة … وعبء من الصخر الأصم ثقيل
وهـل يحسـن التمثـال تمثيـل أمة …  أقـامـته بـوقـات لـها وطبـول  

أحمد رفيق

كان مسار التجربة البرلمانية طوال ثمانية عشر عاما أربع دورات نيابية استغرقت كل منها أربع سنوات. الأولى بدأت من 1952 إلى 1956 والثانية من 1956 إلى 1960 والثالثة من 1960 إلى 1964. والرابعة من 1964. وهي لم تدم طويلا، إذ حامت الشبهات حول انتخاباتها وما حدث فيها من تزوير واضح جعل الملك يصدر أمرا بحل هذا البرلمان في فبراير 1965 وأجريت انتخابات جديدة على ضوء هذا الحل وبدأت الدورة من جديد باعتبارعدم استمرارها ذلك العام وكان من المفترض أن تجرى الانتخابات الجديدة في 1969 ولكن ذلك لم يقع لظروف التغيير في سبتمبر.

وكانت هذه الدورات النيابية تفض عاديا من قبل الملك وتعاود نشاطها البرلماني بعد فترة تعتبر عطلة للبرلمان وعند الافتتاح الذي عادة مايحضره الملك أو ولي العهد يلقي رئيس الحكومة خطاب العرش وبعد الانعقاد يرد البرلمان بمجلسيه (الشيوخ والنواب) على ذلك الخطاب بالتفصيل. وكان من الملاحظ أيضا أن تجرى خلال هذه الفترات انتخابات تكميلية في الدوائر التي تشهد فراغا في نوابها أو شيوخها بالوفاة أو بأسباب أخرى.

وتعاقب على رئاسة المجلسين مجموعة من شخصيات البلاد وشهدت الدورات الأربع، رغم بعض المتغيرات أو الهنات التي لحقت بمسيرتهما البرلمانية، وجود الكثير من الأعضاء فيهما من العناصر والكفاءات الوطنية وظلت على الدوام صوتا تحت القبة يطالب بالإصلاح ومقاومة الأخطاء متى وجدت والدعوة إلى معالجتها وإيجاد الحلول المناسبة واستطاع المجلسان أن يحققا نجاحا يحسب لهما.

من أهم وأخطر القضايا والموضوعات التي مرت بالبرلمان الليبي كانت ما يتصل بتوقيع المعاهدات والاتفاقيات مع بريطانيا والولايات المتحدة. عرضت المعاهدة الليبية البريطانية للنقاش في أغسطس 1953. وشهد المجلس حوارات ساخنة ومداولات ساخنة بشأنها أثناء عقد الجلسات بمقره في بنغازي. كانت ظروف البلاد الاقتصادية صعبة للغاية وقد لجأت الحكومة قبل أن تتجه لعقد المعاهدة ثم الاتفاقية مع أمريكا إلى بعض الشقيقات العربيات طلبا للنجدة والمساعدة وأغلبها اعتذر أو رفض (مصر والعراق).

وحين عرض نص المعاهدة كان هناك في مجلس النواب فريقان اختلفا أو تباينا في وجهات نظرهما حيالها. فريق يرفض المعاهدة ولايريد التحالف مع بريطانيا بأي شكل من الأشكال، وفريق ظل يعرب عن عدم ممانعته لها ولكن بشروط تختلف عن تلك التي تضمنتها المعاهدة المقترحة.

وعقب الانتهاء من عملية التصويت في المجلس اتضح أن ستة عشر عضوا صوتوا ضدها، وهم، وفقا لمحاضر المجلس: محمود بوشريدة وصالح بويصير والقذافي سعد وخليل القلال وعبدالقادر البدري وخليفة عبدالقادر ومحمد شرح البال وعبدالسلام بسيكري ومصطفى السراج وعبدالرحمن القلهود ومصطفى ميزران ووهيب الزقعار وعبدالعزيز الزقلعي ومنير العروسي وكمال فرحات (عن طرابلس وبرقة) إضافة إلى أحد الأعضاء عن فزان .

في مجلس الشيوخ قاد المعارضة بشأنها أحمد رفيق المهدوي شاعر الوطن الذي ظل عضوا مقدرا ومعينا من الملك طوال دورات المجلس إلى وفاته في يوليو 1961، فعين بدلا منه الشيخ محمد علي يوسف لنقي. كان رفيق بحكم خلفيته الوطنية والأدبية ومكانته المعروفة ينشر قصائده في الصحف ويجاهر برأيه عبرها ومن خلال جلسات المجلس. وقد وجه شكوى شعرية طويلة عام 1954 إلى الملك قائلا :

أدرك بحكمتك الباقي من الرمق …… إن السفينة قد أشفت على الغرق
الشعب يرنو إلى الإصلاح ملتجئا …….. إليك في حالة تدعو إلى القلق
عجل بإصلاح حال ليس يصلحها ….. إلا القضاء على المنحط من خلق

وقد ظن البعض من مواطنيه بأنه سكت عن القول والمواجهة حين أضحى عضوا بالمجلس. كان ذلك عام 1956 فأنشأ قصيدته منبها للعيوب :

يقول أناس مالك اليوم ساكت …… وقد كنت في كل الخطب تقول
فقلت لهم يا طالما قد دعوتكم …… فلم يك منكم للدعاء قبول
وحركت نواما فكنت كأنني ….. أريد بهزي نومكم يطول
أناخت على حكم البلاد عصابة …. تسير على أهوائها وتصول
فلا شأن للدستور فهو معطل …… ولاحكم للقانون فهو فضول
وباسميهما تجرى الأمور ومالها ….. إلى الحق أو إحدى الحقوق وصول
ولاة ونظار إذا ما اختبرتهم ….. وجدت جمالا في الجسوم يهول
أولئك حكام البلاد وكلهم ……. كنوا بها أو كالشيوخ ذيول
ويكفيك أن العبد لله منهمو…….. وأني عليهم في القياس دليل

اجتمعت الوطنية والمعارضة الصادقة مع الشعر مع الكثير من السخرية المرة مما يدور أحيانا في جلسات البرلمان وروي عن رفيق أيضا أنه نظم بيتا بالعامية في السياق ذاته يتماهى مع نظمه بالفصيح تلك الأيام: (نايب من نواب الأمة …… أيش يلمه …. مطرطش كي …..؟!).

بعد انتهاء عرض المعاهدة ومناقشتها في البرلمان أصدر نائب الملك الأمير محمد الرضا ولي العهد مرسوما في 31 إكتوبر 1953 بإبرام المعاهدة.

كان الملك وقتها خارج ليبيا. ومن تداعيات ذلك الأمر وتوقيع المعاهدة تردد بأن حوادث ووقائع الجلسة السرية التي عقدها مجلس الشيوخ لبحث المعاهدة سربت ونشرت في جريدة الأهرام بالقاهرة. شكل رئيس المجلس عمر الكيخيا لجنة للتحقيق في ذلك التسرب من الشيوخ: سالم المنتصر وخليل ناصوف وأبوبكر أحمد وعوض لنقي (تخلف عن الحضور). وباشرت عملها في الرابع عشر من نوفمبر 1953. كان مندوب الأهرام سامي حكيم في ليبيا تلك الأيام وقد قام بجولات في برقة وفزان ونشر في الجريدة كلمة الشيخ أحمد رفيق التي ألقاها في المجلس أثناء عرض المعاهدة.

وحدث استغراب كبير لكيفية التسرب وفي التحقيق أشار رفيق بأن: (مانشر في جريدة الأهرام جله كلام زائد لا أصل له. وأما بخصوص البيان الذي ألقيته في تلك الجلسة فقد اطلع عليه كثيرون في كل من طرابلس وبرقة قبل أن يلقى في الجلسة السرية ولذلك فإن الكتبة وحضرات الأعضاء لم يصدر عنهم شئ من هذه الأنباء. ثم أنني لم أعلم من جدول الأعمال بأن الجلسة ستكون سرية لأن سرية الجلسة أعلنت فيما بعد برسالة من الحكومة. ولايفوتني أن أذكر هنا أن ما نشرته الجريدة المذكورة من بياني لايتعدى الست أو سبع فقرات في حين أن البيان الذي ألقيته لايقل عن خمسة عشر صفحة. لذلك أعيد فأكرر بأنه لا الشيوخ ولا الكتبة أتهمهم بإفشاء هذا السر).

كما ناقشت لجنة التحقيق الشيخ محمد شليد حول التسرب وانتهت أعمالها بالتوكيد على أنها لم تجد شيئا ملموسا تستطيع أن تعتمد عليه في إسناد التهمة إلى أي من حضرات الأعضاء المحترمين وأنها لا تعتقد بأن التصريحات قد تسربت عن طريق السكرتارية وأوصت باتخاذ قرار بسرية كل كلمة ينوي العضو إلقاءها بالمجلس حتى يعلن المجلس علنيتها. ومضت العاصفة بسلام ..

ثم بعد عام من تلك المعاهدة عرض على مجلس النواب مشروع الاتفاقية مع الولايات المتحدة في إكتوبر 1954 في الوقت الذي شهد اغتيال ناظر الخاصة الملكية وقد رفضتها بالكامل لجنة الشؤون الخارجية في المجلس المكونة من الأعضاء: محمد سيف النصر وصالح بويصير ومصطفى ميزران ورمضان الكيخيا ومفتاح عريقيب وعبدالسلام بسيكري وسالم بن حسن وحسين الفقية. وحين عرضت الاتفاقية على مجلس الشيوخ مرت، وفقا للمصادر التاريخية، عبره سريعا ولم تلق أية معارضة تذكر وتمت الموافقة في الحال.

.. ومايزال الكثير من السجال البرلماني في التجربة على مدى أعوامها!

يتبع في الجزء التالي

_______________

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *