ـ كان للعنف الذي مارسه النظام مدة عقود مطرقة وسندان، عبدالله السنوسي كان “مطرقة” ذلك العنف الدامي، القاتل ضد مناوئي نظام معمر القذافي، وكان التهامي خالد الورفلي هو “السندان”

ـ اتفق الإثنان واختلفا في الوقت نفسه، اتفقا على أنهما القبضة الدامية للنظام، أقول “القبضة” بالمفرد، وليس “القبضتين” بالمثنى. كلاهما، اعتقد منذ البداية أنه النظام، والنظام هو. لا وجود دون الآخر.

ـ دخل عبدالله السنوسي إلى سلك الجيش بقرار من ابن عمه الرائد عبدالسلام جلود، عضو مجلس قيادة الثورة والرجل الثاني في النظام الجديد، توجه إلى الكلية العسكرية مع زمرة من أبناء قبيلة المقارحة.

ـ بقرار أمني منذ البداية، قرر معمر وعبدالسلام ان لا يتم اصطياد نظامها الجديد، بالسلاح نفسه الذي استطاعا به بسهولة اصطياد النظام الملكي وهو سلاح الجيش. إذا لا يمكن أن يُلدغ النظام الجديد من الجحر نفسه الذي لدغ هو منه النظام القديم فأرداه ساقطا متلاشيا.

ـ إذا، فلابد من إعادة نسج الجيش على نول مختلف، ينبغي ألا يفتح الباب لدخول كلية الضباط على مصراعية لجميع الليبيين، كما فعل النظام الملكي السابق، ولابد من مراعاة فصيل الدم الذي يحمله كل طارق على أبواب كلية الضباط.

ـ عبدالله السنوسي، الطالب في معهد المعلمين الخاص، سينطلق مباشرة من سبها إلى القاهرة؟ ليلتحق بكلية الضباط المصرية التي تسمي الكلية الحربية، من دون عائق أو حتى سؤال، فهو من فصيلة وقبيلة الرائد عبدالسلام جلود المقرحي نفسها.

ـ التهامي خالد الورفلي، المقيم في منطقة جنزور غرب طرابلس، المتخرج من معهد الغيران الزراعي القريب من منزله، يعمل معلما بمدرسة أولاد بن أحمد الابتدائية. لمعت برأسه فكرة الالتحاق في الكلية العسكرية.

ـ بعد تخرجه من الكلية العسكرية في القاهرة، تودد التهامي إلى الرائد عبد المنعم الهوني، عضو مجلس قيادة الثورة. كان الطريق قصيرة بين عبدالمنعم والتهامي، وكان الاستلطاف الشخصي مفتاحا للنفوس. وهدفه هو الابتعاد عن معسكرات الجيش، والانتقال إلى العالم نصف السري، لكن به كل “القوة”. إنه عالم الأمن.

ـ بعد أن غادر الرائد عبدالمنعم الهوني وزارة الداخلية، حل محله الرائد الخويلدي الحميدي، عضو مجلس قيادة الثورة، لكن الحميدي بالنسبة للتهامي خالد، غير الهوني. الخويلدي الحميدي من منطقة الجميل، ينتمي إلى قبيلة الحميدات، وهي قبيلة لها امتداد في تونس، أحاط نفسه بدائرة من أقاربه، يحب التمجيد والتملق، يمثل شخصية الحكيم الوقور والمتصوف.

ـ فتحت الأبواب للتهامي، بسبب استخدامه للهوني مرة أخرى، للعبور إلى ضفة الخويلدي الحميدي وزير الداخلية الجديد. ودخل دهاليز الأمن وكهوف العنف، وبدأ مرحلة توأمة جديدة بينه وبين إلاهه الخفي “القوة”.

ـ كان هذا في سنوات الجمر الأولى في ليبيا، فبعد 1975، دخلت البلاد كلها في مرحلة المواجهة مع مصير النظام ومصير الوطن، وانشقت البلاد إلى نصفين، الأول فوق الأرض، والثاني تحتها. شهدت تلك السنة هزة تحت أقدام كرسي القذافي، كان الهوني، ولي نعمة التهامي، من السواعد الأساسية في محاولة عمر المحيشي.

ـ أصبح التهامي توأم العنف مع عبدالله السنوسي، وبدأ في رحلة طويلة خارج حدود ليبيا، عنوانها ملاحقة “الكلاب الضالة” بلغة القذافي. كُلف التهامي بقيادة  فيلق جديد، لمتابعة الليبيين في الخارج، يخيرهم بين العودة إلى ليبيا أو القتل إن بقوا في الخارج، انطلاقا من مقولة أن كل ليبي يوجد بالخارج دون موافقة الحكومة هو عدو يقاتل ضدها بغض النظر عن طبيعة نشاطه في الخارج.

ـ كان التهامي خالد الورفلي، لا يخفي كرهه لنصر المبروط الذي حلّ محلّه في مقاومة من أسماهم القذافي بالزنادقة، والتهامي ميال إلى التحليل، وقراء نفسية الأشخاص، ربما امتلك هذا الميل من تجاربه في التحقيق مع المتهمين، بخاصة أولئك من ذوي التوجهات العقائدية، التي تقوم جهات الأمن السياسي، بإعداد ملفات مختصرة عنهم، تتضمن منحدرهم الاجتماعي، وظروفهم العائلية، وبالذات مراحل طفولتهم وشبابهم، وظروفهم المادية.

ـ التهامي خالد، ومنافسه اللدود نصر المبروك، يعبدان القوة والعنف، ومسكونان بالعنف والتعذيب والقتل. رفع التهامي نفسه بين مراتب القوة وأهلها، مستعينا بمؤهلاته الفكاهية، بالإضافة لمؤهل آخر، هو معرفته بالكثير من العلاقات الخاصة جدا بين الناس. وقد أمدته المراكز الأمنية التي تقلدها بتفاصيل عن تلك العلاقات الخاصة جدا، التي تفتح لها الآذان، وتحب استطلاعها النفوس.

ـ تُوج بتصيبه رئيسا لجهاز الأمن الداخلي، أي انه أصبح الحاكم المطلق فوق القانون يستمد تفويضه مباشرة من القذافي، لا يسال إلا امامه، وياخذ التعليمات الحاسمة والساخنة منه مباشرة، لا يخضع لوزير، لقانون.

ـ زادت معاناة الناس، وارتفعت درجات السخط، وكلما توسعت دوائر حركة المعارضة، زادت قوة القبضة الأمنية، وأصبحت صلاحيات جهاز الأمن الداخلي مطلقة، وتدحول إلى مملكة خاصة بالتهامي وأولاده، وعائلته، قوة ومالا. وقد انظم أخواه مختار ومراد إلى جهاز الأمن الداخلي.

ـ مع تغوّل الجهاز، تغوّلت الطموحات، وتحولت القوة إلى قوى، لا يردعها رادع. لم يكن التهامي وأولاده استثناء من الركض وراء الثروة، مثل بقية الذين مارسوا العنف في سنوات الجمر في النصف الثاني من السبعينيات، والثمانينيات والتسعينيات، كلهم اندفعوا نحو تكديس الثروة في جنون.

ـ استولى التهامي على أرض مقابل المصرف الأهلي في جنزور، اغتصبها من صاحبها الأصلي “علي احفيظة”، الذي دفع كل ما يملك للمحامين من أجل استرداد أرضه عن طريق القضاء، ولكن لم يحصل إلا الألم والمرض وقضى نحبه متحسرا في الخمسين من عمره.

ـ امتلك التهامي مزرعة في منطقة المشاشطة مساحتها 5 هكتارات، فيها مصنع ألبان وأجبان وأبقار ودواجن.

ـ هاني إبن التهامي خالد، تحصل على تسهيل من المصرف الاهلي في جنزور بقيمة 5 ملايين دينار، وكان مدير المصرف “عبدالوهاب القنيدي” أحد أصدقاء التهامي خالد. أفلس المصرف، وضاعت أموال المودعين، بل قام مدير المصرف أيضا بإعطاء منحة لأبناء التهامي ليشتروا به أسمها بالمصرف ترفع من نسبة تمثيلهم في الجمعية العمومية للمصرف، وبالتالي أصبحوا يقررون تسمية أعضاء مجلس إدارته.

ـ قام التهامي ببناء قصر جديد مساحته 2500 متر مربع في منطقة تسمى “حي الكويت” بالقرب من مصنع الصابون العطري في جنزور، وكانت الارض ملكا لإيطالي إسمه “ماورو”، مساحتها اكثر من 250 هكتار، قسمت ووزعت مزارع في السبعينيات بعد إجلاء الطليان.

ـ إبن التهامي قاما ببناء فيلا في هذه الأرض، أجرها لشركة أجنبية، واستلم إيجارا مقدما لسنوات طويلة، واشترى بقيمة هذا الإيجار فيلا في تونس.

ـ امتلك أحد أبناء التهامي شركة تسمى “المشاشطة للاستيراد والتصدير” وهو تاجر كبير في مجال المفرقعات الصوتية، التي تحوي مادة (تي إن تي) يسميها الليبيون “خط ولوح”. استورد 20 حاوية في عام 2007، عن طريق ميناء طرابلس البحري. وعند وصول الحاويات تدخل البغدادي المحمودي للإفراج عن المواد الممنوعة بضغط من التهامي خالد، وقدرت قيمة الشحنة بثلاثة ملايين دينار ليبي.

ـ تولى أحد أبنائه بتوزيد السجون بالإعاشة، وتوريد قطع الغيار لجهاز الأمني الداخلي بأسعار مضاعفة. فلم يعد التهامي مركزا من مراكز القوة، بل أصبح قوة المركز.

ـ أسس القذافي في جماهيريته مراكز القوة التي يحركها شخصيا لتكون أداة لتحقيق أوامره، وحفظ نظامه، وصنع تلك المراكز عبر سنوات من صنع أشخاصها، لكن في حالة التهامي خالد، اختلف الأمر، فقد صنع التهامي نفسه إلهه الخفي وأعطاه صورة الوثن المتحرك وهو معمر القذافي، فعل ما فعل، في الأقبية وفي الفيلات والمزارع والشركات والموانئ بقوة القائد، الذي أعطاه كل شئ، لكي يأخذ هو كل شئ.

ـ التهامي خالد كان وراء الفرية الكبرى التي رددها القذافي وإعلامه في بداية أحداث 17 فبراير، وهي أن الشباب الثائر هو ضحايا قاصرة ومضلّلة، شجنت بحبوب الهلوسة المتدفقة من الخارج، وأن علاج هؤلاء القصّر، هو المدافع والرشاشات، وجرعات من الرصاص الخارج الحارق يحققها لهم عن بعد قناصة مهرة، تم استجلابهم من الخارج نظير مبالغ خيالية، لضمان فاعلية الدواء.

ـ كان التهامي من أركان الغرفة الأمنية التي تدير معركة قتل شباب ليبيا الثائر، حشد إلى جانبه أشقاءه وأولاده.

ـ في 20 رمضان تحررت طرابلس، هربت المراكز، سحقت القوة تحت أقدام أولئك الذين استضعفوا. هرب (المجرم) التهامي خالد، لم يستطع أن يحمل معه الأرض وما عليها، تحرر كل من في الأقبية، وفي 23 اكتوبر سقط الوثن.

***

للحق أصابع لا تلويها صرخات محقق في القبو.

نجوم الثوار، أكثر إشعاعا من نجوم الضباط.

فلا التهامي خالد، ولا القمع خالد.

(التهامي في نار جهنم خالد).

_______________

المصدر: تم اقتباس هذه الفقرات (بتصرف من المحرر) من كتاب “أشخاص حول القذافي” للكاتب عبدالرحمن شلقم (دار الفرجاني ـ 2012)

***

المحرر: لم يتناول شلقم جريمة العصر في سجن بوسليم والتي ارتبطت أيما ارتباط بـكل من “المجرم عبدالله السنوسي” و “المجرم التهامي خالد الورفلي” ولا ندري ما هي مبررات الكاتب في تجاهل هذه الجريمة بالذات.

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *