(المحرر: قدم المناضل بشير العامري، رحمه الله، هذه الورقة في سبتمبر 1993، ولذلك على القارئ أن يقرأها في سياقها التاريخي)

هذه الورقة تناولت كمحاولة لعلاج ثلاث مواضيع أساسية في أجندة المعارضة الليبية في الخارج، وهي: اولا، تقييم عقد ونصف من النضال من أجل الحرية، وثانيا، التطورات التي طرأت على أسس استراتيجية النضال، وثالثا، تصور جديد لقيادة النضال من أجل تحرير الإنسان الليبي وتمكينه من أن ينال حقوقه الطبيعية.

الجزء الأول

مقدمة

قام تنظيم الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا على جهد المئات من الشباب الليبي المؤمن بحقه في بلاده، وحقه في الحياة، وحقه في الاعتقاد، وحقه في التعبير، وحقه في  العمل وفي الحكم أيضا، وعندما سُلبت حقوق هؤلاء الشباب، وجمعهم المهجر ووجدوا فيه ما وجدوا من حرية الإلتقاء والتشاور والعمل لم يألوا جهدا في سبيل تغيير واقع بلادهم، فجادوا بكل رخيص وغال، مجاهدين في سبيل الله تحت راية هذا وبوسائله المحدودة، فسقط من سقط من الشهداء، وإن لم يتحقق النصر بسقوطهم قتلى وأسرى فقد صدقوا ما عاهدوا الله عليه وعرف العالم بهم أن هناك تنظيما ليبيا فيه رجال لهم غاية نبيلة وهم راغبون في دفع ما تستحق من ثمن، فكان دم أولئك الشهداء، هو المدد الذي لم ينقطع حتى اليوم، وبدماء أولئك الشهداء،علا ذكر البعض من أعضاء التنظيم، سياسيون وقادة ربما ما كانوا ليعرفوا لولا أن اسماءهم ارتبطت بتضحيات أولئك الرجال الشرفاء، وكل من نالنا من فضل وإعلاء في الذكر إنما هو ثمن التضحيات الجليلة التي وهبها أعضاء هذا التنظيم بسخاء خلال مسيرته الطويلة.
ولكن طال الزمن واشتدت الفتنة وظهرت بين رجالنا ـ ككل عمل ديمقراطي ـ وجهات نظر مختلفة حول قضايا العمل والتوجه الفكري والقيادة، فتخلي البعض منا عن هذه المسيرة في هدوء واستحياء، أو ثورة وغضب، ولم يحاول أحد رغم توفر الظروف تغيير وجهة سير هذا العمل وكأننا إخوة لا يحبون أن يظهروا أمام الناس مختلفين.
ورغم روعة ذلك التلاحم وتلك السماحة في الخصام التي دلت على أننا لم نلتق من أجل المكاسب الشخصية وإنما هي وحدة الهدف وسمو الغاية، إلا أن فينا من عاتب أولئك الإخوة الذين اكتفوا بالانسحاب محتجين ولم يظهروا غيرهم على سبب خروجهم حتى نحاول معهم تقويم ما فسد أو نثنيهم عن عزمهم إذا لم يكونوا محقين، وتلك هي قيمنا وعاداتنا التي ورثناها كابرا عن كابر وهي ترجمة لمبادئ ديننا الحنيف. من رأى منكم منكرا فليغيره لا أن يشيح عنه وجهه.
والذين بقوا فيه لا زالوا أخوة متحابين كيوم بدأوا، ولا زالوا على عهدهم الذي قطعوه على أنفسهم لينصرن الله وليقتصن لإخوتهم الذين قتلوا في سبيل كلمة الحق أو الذين فقدوا أجمل سنين أعمارهم في غياهب السجون وتحت وطأة الإرهاب والتعذيب.

الإرهاب بحجة الثورة

آية الشعوب المظلومة أن أهل العلم والمعرفة فيها وأهل الخبرة والتجربة ومن لهم دراية بالتاريخ والاجتماع والسياسة والدين لا يجدون حرجا في التخلي عن المواقع التي تليق بأمثالهم في دروة سنام الأمر ويقبلون بالقبوع في ظل من هم دونهم في الأهل بل من هم دون الناس جميعا، يطيعونهم طاعة المرؤوس لرئيسه ويعطلون معارفهم العقلية والنقلية فلا يفكرون ولا يستدلون بمعارف من قبلهم في أي أمر يعرض لهم وللحكومة فيه رأي آخر، وتلك هي أية الذل والمهانة وهي دون شك أم الآفات الاجتماعية، ولا تفلح أمة إلا أن تبرى منها.
والغريب في بلادي وربما في غيرها من شعوب الأرض المصابة بهذا المصاب أن هؤلاء السادة المسودين لا يتوفقون عن الشكوي والبكاء كالثكالى وكأنهم يستعيضون بذلك على مواجهة الخطوب واستنفار العامة وتبصيرها بمواطن الضعف فيها وبحثها على الوقوف في وجه الظلم والظالمين فتنهض العامة وراءهم لتعز الحق بهم فيعزون ويعلو ذكرهم ويخذل من هم دونهم.
لكن الذي تستمري نفسه العبودية والاذلال يكتفي بالعويل والشكوى، شكوى الضعيف للضعيف، فالواحد من هؤلاء الفضلاء المفضولين لا يقعد في ناديه إلا واجما مطرقا أو نائحا معددا فلا يزيد على ترديد ما يلوكه العوام من تافه الحديث أو إعادة ما يروى من الفواجع والكوارث وفقد الانفس والحقوق وهتك للإعراض واعتداء على كل ما يعتز به الشريف هو عين ما يريده المستبد أن يسود بين الناس ويعم بل يكاد لجهاز أمن الدولة يدفع لمروجي هذا الإرهاب مالا، لأن ذلك الحديث ـ ليس كما يتصور المتفائلين ـ يحمس الناس ويبعث فيهم باعث اليقضة والحماسبل أداة إحباط ومدعاة للخوف والإرهاب.
كان هذا بعضا ممما يردده الغاضبون من الليبيين الذين انتهى بهم غضبهم إلى غياهب السجن ومرارة التعذيب أو قادهم إلى المنفى مشردين يعانون الأمرّين، الجوع والخوف، لكن الشعب الليبي ليس في غفوة وسبات كما يعبر هؤلاء الغاضبون من أبنائه بل هو في حالة ثورة مثل غيره من شعوب المنطقة، يظهر بعضها ويخفي جلها ولا يظهر منها إلا بقدر ما يظهر من جبل الجليد السابح في المحيط، فلا يرى منها إلا أحداث العنف المتباعدة وهجرة الشباب المتدين زمرا فارا بدينه وباحثا عن الجهاد أينما وقعت رايته من شمال افغانستان إلى جنوب السودان وبين شرق أوروبا وغرب الجزائر، وفي حملات الاعتقال المتوالية داخل البلاد.
لكن هذه الثورة لا تخضع لقائد بعينه ولا يوحدها هدف بل مقسمة شيعا وأحزاب وإن كانوا متفقين في عدائهم للنظام أو بالأحرى عداء النظام لهم، فهم عاجزون عن إيجاد قاسم مشترك يوحد صفوفهم ويعلي رايتهم ويظهرهم على عدوهم، غير أن مع هذا التفرق والتمزق يمكن جمع هؤلاء الليبيين الحركيين في جماعتين تسميهما اصطلاحا بالديمقراطية الليبراليين، والاسلاميين الأصوليين، ورغم أن النظام الحاكم يكيل لكلا الفريقين بمكيال واحد إلا أن لكل منهما من الأسباب ما يحجبه عن الآخر بل يخشاه ويرى فيه بديلا ليس بأفضل مما هو قائم، ثم إن داخل كل من هذين القسمين هناك انشقاقات وفرق ورموز ومذاهب يحتدم الخلاف فيما بينها وتشتد الفرقة.
والمؤسف أنه على الرغم من أن كلا الفريقين الأصولي والليبرالي يهدفان إلى الإطاحة بحزب اللجان الثورية والدفع بمبادئ الديمقراطية والحريات ومبادئ حقوق الإنسان في جملة ما يهدفان إليه، إلا ان الطبقة المثقفة الليبرالية في ليبيا والعالم الاسلامي بأسره تتخلى عن مطالبها في الحرية والعدل والديمقراطية وتتحالف مع الاستبداد حليف الاستعمار عندما يكون الاسلام والإسلاميين هم هدف الأنظمة والحكومات.
ليس هذا لأن الحركة السياسية الليبرالية حركة ملحدة، لكن لانها تتبع الغرب فكرا رغم عدائها السياسي له بسبب غياب الثقافة الإسلامية خلال مراحل التعليم المختلفة ومن المجتمع في عمومه وأيضا بسبب الحملة الإعلامية المكثفة ضد الإسلام والمسلمين في العالم الإسلامي وخارجه، حتى أننا لنجد من المسلمين ومن غير الإسلاميين”اصطلاحا” من يقيمون الشعائرالدينية ويكرهون الفسق وينكرونه على أبنائهم لكن عندما يذكر الإسلام السياسي فهم ينتمون إلى فكر ومدرسة غير مدرسة الإسلام وفكرة وعقيدة تحتمل الإسلام ولا تقبل أن يسعها، وهم في نكرانهم ما ينكرون لا يتبعون نفس المنهج الذي اتبعوه في مسألة الشعائر، فالرجل أو المرأة من هؤلاء المسلمين العلمانيين يسأل أهل العلم بالإسلام في مواضيع شتى من أمور العبادات ثم يرجع فيتهمهم بالتطرف عندما يخرجون بفتواهم عن أمور العبادات إلى أمور الدولة والسياسة، هذه هي الإزدواجية التي ينكرها الإسلاميون وهي وحدانية المرجع التي ينكرها العلمانيون.
وليس ذلك لأن الإسلاميين ينكرون مبادئ الديمقراطية والحريات التي يطالب بها الليبراليون، فالإسلام إن لم يوجب فهو لا يحرم أن يكون للدولة دستور بنص وأن يتضمن النص على فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وعلى استقلالية القضاء ولا يوجب الشرع أن يكون تنصيب الحاكم أبديا، وأن توضع الضوابط الكفيلة بخلعه إذا خرج عن الجادة، ولا يمنع الدين أن تستشار العامة في تصريف شؤون حياتهم بالاسلوب الديمقراطي حيث رأي الأغلبية هو الفيصل إنما يرفض الشارع التصويت على ما عرف من الدين بالضرورة، أي أن ما يثبت أن لله أو لرسوله فيه قول فلا قول فيه لأحد، أما ما عدى ذلك مما يقع في إطار المباح فللعامة كل حق في اختيار ما يحبونه فهم أدرى بأمور دنياهم.

يتبع في الجزء الثاني بدء من (الحلف الشريف)

___________________

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *