سالم الكبتي

كانت تلك الخطوات البرلمانية الأولى التي خاضها الليبيون وإن اختلفت أشكالها -عثمانية وإيطالية ومحلية-في مجملها مع تعثر بعضها في الطرقات بدايات وإرهاصات للانطلاق وترسيخ التجربة الدستورية أو النيابية في ليبيا المعاصرة. غير أن القفزة الكبرى لهذه التجربة كانت ناتجة عن صدور القرار التاريخي رقم (289)الصادر عن هيئة الأمم المتحدة في ليكسس في الحادي والعشرين من نوفمبر 1949 الذي قضى بالاعتراف العالمي بأستقلال ليبيا في موعد أقصاه الأول من يناير1952 وعلى أن يشرع الليبيون في وضع دستور لبلادهم .

في ضوء هذا القرار المهم الذي يتجاهله الليبيون دائما وتقديرا من العالم بأسره لنضالهم في سبيل حريتهم ووصولا بهم إلى دولة ذات سيادة ودفعا بهم نحو الاستقلال المنتظر عينت الأمم المتحدة مندوبا لها في ليبيا للعمل على تنفيذ هذا القرار ومتابعة خطوات إنجازه ودعمه ومساعدة أهل البلاد لتحقيق ذلك الاستقلال.

كان المندوب هو السيد إدريان بلت. من هولندا صاحب الخبرة القانونية والدبلوماسية والدولية منذ أيام عصبة الأمم الذي بذل جهدا شاقا في سبيل الوصول إلى شاطئ السلامة وسط الأنواء والعواصف المحيطة. شاركه في ذلك المخلصون من الليبيين وتم تكوين مجلس استشاري من بعض الدول ذات العلاقة بالقضية الليبية وهي :مصر وفرنسا وإيطاليا والباكستان وبريطانيا والولايات المتحدة إضافة إلى مندوب عن كل إقليم من الأقاليم الليبية الثلاثة وآخر يمثل الأقليات في ليبيا وتحديدا الجالية الأيطالية التي كانت تمثل نسبة من السكان في مدينة طرابلس وماحولها.

بدأ المستر بلت ومعه المجلس عملهما اعتبارا من إبريل 1950. وقاما بزيارة كل الأقاليم واستطلعا كل الآراء ووجهات النظر بها وعملا على تقريب تلك الوجهات وتجسير الاختلافات وسد الثغرات. وكانت المهمة في واقع الأمر نبيلة في معظمها وفي نصفها الآخر صعبة وشاقة وتنهض أحيانا معها مشاكل وعدم توافقات.

وفي الرابع من سبتمبر 1950 أرسل المستر بلت تقريره الأول وكان ممتازا ودقيقا للغاية إلى (جناب المستر تريجفي لي الأمين العام للأمم المتحدة) لعرضه على الجمعية العامة وبحثه في دورة إنعقادها (الخامسة المقبلة).

والتقرير كما نوهت سابقا مايزال مرقونا على الآلة الطابعة وفي مجلد ضخم يحتويه منذ تلك الأيام وهو يختلف عن دراسته اللاحقة عن الحالة الليبية واحتواها في الغالب الأرشيف الخاص في الأمم المتحدة.

يقول المستر بلت في مستهل تقريره بأن: (الجمعية العامة قصدت باتخاذها القرار الخاص بالتصرف في أمر المستعمرات الإيطالية السابقة أن تكون ليبيا التي تشتمل على برقة وطرابلس وفزان دولة مستقلة ذات سيادة بأسرع مايمكن في موعد لايتجاوز أول يناير 1952 . وأنة يقر الدستور وشكل الحكم ممثلو سكان ليبيا مجتمعين بهيئة جمعية وطنية.

وإني لعلى يقين على رغم من وجود عقبات وصعوبات خطيرة معتمدا على الرغبة الشديدة لكل ليبي في أن تصبح بلاده مستقلة في أقصر وقت ممكن.. من أن الغرض من قرار الجمعية العامة سيتحقق في الموعد المحدد وربما تحقق قبل ذلك)!.

ويواصل تقريره الدقيق بالقول المركز: (ومهما كان الأمر سيواجه الشعب الليبي عدة مشاكل خطيرة في أثناء السنوات المقبلة قبل أن يتم له إنشاء إدارة ناجحة ونظام مالي سليم الأسس واقتصاد قوي البنيان لكي يرتفع مستوى معيشة الشعب الليبي تدريجا. ولإدراك هذه الغاية يحتاج الشعب الليبي إلى مساعدة فنية ومالية من الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة وحكومات الدول الأعضاء كما تشرفت من قبل بتوجيه نظركم إلى ذلك عدة مرات. وإني أشترك مع سكان ليبيا اشتراكا تاما في اعتقادهم أن الأمم المتحدة قد جعلت لنفسها باتخاذها القرار الصادر في يوم 21 نوفمبر 1949 مسؤولية خاصة إزاء بلادهم.

ويمكن السير في سبيل الاضطلاع بهذه المسؤولية بإرشادهم فيما يختص بالتطور الدستوري لبلادهم وتقديم مساعدة فنية إليهم ولكن يجب العمل أيضا على تقديم مساعدة مالية إليهم في الفترة التي تسبق إعلان الاستقلال وبعدها عن طريق الأمم المتحدة والمصادر الحكومية أو الخاصة. ولتفادي انقطاع المساعدة المالية والفنية عن ليبيا بعد أن تصبح مستقلة وقبل أن تصبح عضوا في هيئة الأمم المتحدة أود أن أقول مرة أخرى أن الحاجة ماسة لكي تتخذ الأمم المتحدة على وجه السرعة.. قرارا يخول لليبيا بعد أن تصبح مستقلة وقبل أن تصبح عضوا في هيئة الأمم المتحدة الحصول على مساعدة من الأمم المتحدة).

وقد شمل ذلك التقرير المهم من المستر بلت معلومات وافية عن الأقاليم الثلاثة فيما يخص تقدمها الدستوري في ذلك الوقت اعتمد فيها المستر بلت على ماورده من المعتمد البريطاني في برقة ورئيس الإدارة البريطانية في طرابلس والسلطات الفرنسية في فزان.

وذكر بأنه في برقة وضع الدستور الخاص بها عقب إعلان استقلالها الذاتي وتألفت حكومة لها مطلق التصرف في الشؤون الداخلية وأن الأمير ومجلس الوزراء يعاونهما لفيف مختلط من الموظفين المختلطين من برقة وبريطانيا .

وصدرت قوانين تتعلق بالجمعيات والصحافة والمحاكم والقذف والسب والجرائم المدنية والخدمة المدنية ومال التأمين وتسوية منازعات القبائل والجنسية وقانون الانتخاب الذي على ضوئه أسس مجلس النواب وافتتح في يونيو 1950.

وفي طرابلس شملت خطوات التقدم الدستوري مراحل ثلاث تتعلق بإيجاد مجلس إداري وافتتاح جمعية تشريعية ونقل تدريجي للسلطات والمسؤوليات من الإدارة البريطانية إلى المجلس الإداري والجمعية التشريعية.
كان القصد من إيجاد المجلس الإداري في طرابلس هو وضع هيئة تشريعية تحت تصرف أهالي طرابلس تكون ذات شأن بحيث يمكنهم عن طريقها أن ينقلوا إلى رئيس الإدارة وجهات نظرهم حول الأمور التي تتناول مصلحة الأقليم وإعطاء الذين سيدعون فيما بعد لتحمل المسؤولية السياسية فرصة اكتساب الخبرة في شؤون الحكم. وعلى الرغم من أن مهمة هذا المجلس كانت في الواقع استشارية بالدرجة الأولى فإن رأيه ظل يؤخذ في جميع الشؤون الداخلية وقد عقد جلسته الأولى في الخامس عشر من مايو 1950 وتناقش مع رئيس الإدارة وأسدى إليه عدة مشورات حول مختلف المسائل المتعلقة بسياسة البلاد الداخلية والتي هي ذات أهمية إدارية. المجلس في نظري كان بمثابة حكومة محلية مصغرة.

ولم يقع افتتاح الجمعية التشريعية المقترحة أو مجلس النواب هناك لأنه ظل ينتظر صدور إعلان قانون انتخابي الذي أعدت مسودته وجرت مناقشته مع المجلس الإداري في الرابع من يوليو 1950 وتناولت هذه المناقشة على العموم مسودة المواد التي تتعلق بالأهلية للاشتراك في التصويت. وتاريخيا لم يتحقق هذه الإنجاز الذي لو تم لأضحى بدوره خطوة دستورية بالغة الأهمية في تاريخنا الدستوري المعاصر وتجربتنا الليبية البرلمانية.

وفي فزان البعيدة عن الساحل ورائحة الشمال مضى تقدمها الدستوري بشروع السلطات الفرنسية أوائل عام 1950 في إدخال نظام انتقالي يرمي إلى تمكين السكان من الاشتراك في إدارة الشؤون العامة على نطاق أوسع مع الأخذ بعين الاعتبار الحالة الخاصة التي يتميز بها الإقليم الذي تمتد رقعته في مساحة شاسعة تتناثر فيها مناطق مأهولة تفصلها بعضها عن بعض بطاح مترامية من الصحراء إضافة إلى أن أولئك السكان يضمون أجناسا مختلفة متباينة العادات ويختلفون أيضا في طرق معيشتهم: فبعضهم مستقر وبعضهم من البدو الرحل والبعض الآخر من البدو شبه الرحل ولم يكن في الإقليم بأجمعه ثمة مركز حضري كبير واحد.

وبناء على قرار المقيم الفرنسي لفزان في 20 يناير 1950 دعيت الجماعات (وقد أشير إليها ضمن التقرير بأنها مؤسسة سياسية يرجع تاريخ تنظيمها في جميع البلدان البربرية وهي هيئة تقليدية قديمة تتألف من رؤوساء العائلات وهي لذلك جمعية شعبية حقيقية ولها سلطان كامل لاتفوضه إلى غيرها وتعتبر الهيئة الوحيدة التي إلى جانب كونها قضائية فهي تنفيذية أيضا والشعب يتخذ قراراته وينفذها بنفسه).

ومع تلك الجماعات أيضا تم دعوة رؤوساء القرى للاجتماع في المراكز التابعين لها لأجل تسمية ثلاثة ممثلين عن كل مديرية وثلاثة ممثلين عن منطقة غدامس. ثم اجتمع هؤلاء الممثلون في سبها في شكل جمعية بتاريخ 12 فبراير 1950 وشرعوا في انتخاب رئيس للأقليم.

وقد انتخب هؤلاء الممثلون الثمانية والخمسون في هذه الجمعية السيد حمد سيف النصر بالإجماع رئيسا لإقليم فزان. غير أن ممثلي الطوارق وفقا لثنايا التقرير وسطوره رفضوا الاشتراك في الانتخاب وذلك لرغبتهم في المحافظة على سلامة روابطهم مع (اتحاد الأزجر) التابعين له. ثم شرع في تطبيق نظام دستوري للحكومة فكانت أولى الخطوات التي اتخذت في هذا الشأن هي تعيين مستشارين ومساعدين بالاتفاق مع السيد حمد سيف النصر لمساعدته في إدارة شؤون الإقليم الداخلية.

وانطلاقا من تجميع الآراء ومعرفة وجهات النظر وتخطي العقبات وبالاستفادة من التجربة المحلية وصل المندوب ومجلسه إلى الخطوة الدستورية الأخرى.. تشكيل لجنة الواحد والعشرين. كانت هذه اللجنة هي حجر الأساس للتطور الدستوري المعاصر في ليبيا التي تسير نحو استقلالها في الرابع والعشرين من ديسمبر 1951.

_____________

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *