د. ليلى حمدان

في هذا المقام لسنا بصدد تقييم كفاءة الاستراتيجيات للجماعات الإسلامية أو تحديد نقاط القوة والضعف فيها أو دراسة نجاحاتها وإخفاقاتها. إنما نسلط الضوء على المفاهيم الشاملة والمعالم البارزة في مفهوم الاستراتيجية بشكل عام.

وإن الاستراتيجيات في العالم الإسلامي بحاجة ماسة للعناية بالمكونات الداخلية للقوى والكيانات نفسها، بتلبية احتياجات أفرادها والحرص على سلامة أدائهم وحيويتهم وانسجامهم كعامل حاسم في استمرارها.

ويحكم ذلك سلامة المنهج الذي يجتمع عليه الأفراد وعنايته بالتربية الإيمانية والخلقية قدر المستطاع، ويدخل في ذلك أيضًا ضرورة أن تكون القيادات المتتالية على قدر من الكفاءة للإشراف على سير الاستراتيجية لأن أي قصور سيؤدي إلى فشل ذريع في ميدان الممارسة في صراع تطول فصوله، هذا إن لم يكن القصور في الاستراتيجية بحد ذاتها.

وما يتعلق بفعالية الاستراتيجيات ليس الكيانات العاملة وأداء أفرادها فحسب بل أيضا الأرضية التي يجري العمل عليها والتحديات التي تواجهها مما يتطلب موائمة الاستراتيجية لهذه المعطيات.

فلا شك أن الاستراتيجية داخل حدود احتلال ظاهر مثل فلسطين يتطلب تخطيطًا استثنائيًا يستوعب هذه الخصوصية.

والاستراتيجية تحت سلطان وكلاء الغرب في المنطقة يتطلب تخطيطات مدروسة أخرى، والاستراتيجيات في إفريقيا وآسيا تختلف في تفاصيلها عن الاستراتيجيات في بلاد الشام لقربها من دولة الصهاينة، وبذلك تتباين الاستراتيجيات بحسب خريطة التحديات وموقع الصراع وطبيعة الساحة واللاعبين وبالتالي أيضا تتباين أهمية نتائجها ونجاحاتها وإخفاقاتها.

كما تتباين الاستراتيجيات من حيث الوسائل المتبعة لتحقيقها، من حيث الأهمية والقوة والقدرات والثغرات والجواز في الشريعة الإسلامية.

كما يجب أن يكون للاستراتيجية بعد نظر في حال تغيرت المعطيات سريعًا وذلك بإعداد النظام البديل مسبقًا. وهذا بحد ذاته لا يكفي حيث لابد أن تكفل الاستراتيجية أيضا بقاء النجاحات وحفظ ثمارها وصناعة الخطط التي تمنع التراجع ونقض الغزل.

وبالتالي فإن الاستراتيجيات في العالم الإسلامي يجب أن تعمل على ثلاثة محاور:

تحرير الأمة وتحقيق استقلاليتها واسترجاع سيادتها.

إقامة مشروع الأمة الشامل المتكامل.

حفظ هذا المشروع وترقيته.

وهي الأهداف الاستراتيجية

ولصناعة الاستراتيجية يجب الإلمام الواسع والدراسة الوافية لبنية الأعداء والتحديات كما هي على حقيقتها لا كما تظهر بسطحية، وتمييز نقاط الضعف الأكثر حساسية، وعمق تأثير الوسائل في الواقع. إذ يجب على التخطيط الاستراتيجي أن يرصد كافة الأعمال الممكنة وردود الأفعال المتوقعة ولا ينهار عند أول صدمة، وفي الواقع التخطيط الاستراتيجي ليس إلا دراسة كافة الاحتمالات.

ومما يجدر التنبيه إليه أن المبادئ الاستراتيجية ليست بالضرورة ثابتة حتى تكون بمثابة مرجعية دائمة لمن أراد صياغة الاستراتيجية الخاصة به، فهي في الواقع أفكار وخطط لحالات وأوضاع محددة ولا تشكل قوانين عامة يمكن تطبيقها بمجملها في جميع الظروف وعلى كافة الحالات.

فلكل وضع استراتيجية تناسبه ولا يعني أن الاستراتيجية الفلانية في المكان الفلاني للطرف الفلاني في الوقت الفلاني تنطبق بالضرورة على كل وضع، بل نجاح الاستراتيجية يكمن في درجة مواءمتها للقضية التي تعالجها وإن كانت جميع الاستراتيجيات متفقة بشأن الخطوط العريضة من حيث الإدارة والتنظيم ومعالم القوة.

كما تحسب الاستراتيجيات الفذة حساب الاستراتيجيات المنافسة لها. بحسن دراستها ومحاولة الاستفادة منها. وأحيانًا كثيرة ليست المشكلة في الاستراتيجية بحد ذاتها بل في العاملين عليها أو في قيادتها بشكل أخص. وهنا نقطة تحدي أخرى في الاستراتيجيات.

ثم ليس كل ما يسمى استراتيجية هو بالفعل استراتيجية، فلا مجال لوصف الخطة بالاستراتيجية حين تفتقد الأهداف الاستراتيجية بالأساس ولا تملك أدنى رؤية سليمة لمكونات المشهد ولا تقييم موفق لطبيعة الصراع، ويقع في ذلك ضحايا تضخيم الذات والتزكية للنفس و الغرور والركون والتبعية.

وكثيرًا ما يظهر ضعف التخطيط عند أخذ القرارات الاستراتيجية، فتتجاوز حدود الإمكانيات والموارد. ولا تبالي بطبيعة البيئة الخارجية ولا الداخلية لتبدأ معدلات الخسائر في الارتفاع.

معالم مهمة في صياغة الاستراتيجيات

من الصعب حصر كل المعالم المهمة في صياغة الاستراتيجيات لكننا نشير هنا لأبرزها، فمن المهم بمكان أن تكون أهداف الاستراتيجية واضحة بشكل جلي لا لبس فيه، وأن تتفق مع الشريعة وتنطلق منها وتتحاكم إليها. وأن تكون وسائل العمل والتطلعات منطقية وواقعية. يوازيها دراسة ومتابعة لباقي الميادين الأخرى المتصلة.

فضلا عن متابعة نتائجها مرحليًا بشكل دقيق قابل للقياس لتفعيل المحاسبة والإصلاح، كما يجب أن تعتني بالقضايا الحرجة والهامة. وأن تتحلى بالصبر وتتمكن من تأمين مواردها المادية والبشرية بشكل مستمر.

وأن تحسن توزيع المهام على الأهداف قصيرة الأجل وكذلك طويلة الأجل. وأن تواكب أي تغييرات في البيئة بمعنى أن تكون مرنة. وأن تحسن الاستفادة من مكتسبات غيرها من الاستراتيجيات ومن الأحداث وأخطاء الأعداء.

وتتطلب بعض الاستراتيجيات تطوير عناصرها مع تقدمها، وعامل التطوير لا يمنع التكيّف بحسب ما تقتضيه الحاجة.

ولعل من أبرز الأسباب التي يجب الحرص عليها لتقريب الرؤى وانسجام الجهود، إنشاء مراكز بحثية مستقلة تمامًا ومتخصصة بدراسة الصراعات وصياغة الاستراتيجيات، يقوم عليها المخلصون الأتقياء الأمناء لتكون بمثابة نقطة وصل ومرجعية للعاملين لهذه الأمة، تجمع بإتقان واحترافية المعطيات اللازمة والمعلومات الحاسمة وترصد الأعداء والأخطار، وتشرّح وتختصر المسافات بتقديم التشخيص الدقيق وتحديد الثغرات والأولويات، بل يتعدى دورها الأعداء، فتقدم دراسة لنقاط ضعفنا نحن وتقييم لتجاربنا، لتفادي تكرار الخطأ والاستفادة من معرفة أسباب الإخفاقات وغيره من تفاصيل مصيرية.

فالعناية بهذا النوع من المراكز مهم للغاية خاصة إن استند إلى الإلمام الواسع بالشريعة، وجهود الدعوة وصناعة الوعي والإصلاح والتصدي للتغريب وهي المحاور التي يجب أن تنطلق جميعًا من مرجعية ثابتة، كتاب الله وسنة نبيّه صلى الله عليه وسلم، فتتحول لسبب من أسباب الاتحاد والاجتماع والاتفاق حول الإسلام، وهنا يتجلى دور العلماء الربانيين في توجيه وتقويم الاستراتيجيات، كي نتخلص من سطوة الهوى والخلافات الجدلية ونضبط البوصلة كما يحب الله ويرضى، فتجتمع طاقات الأمة في الاتجاه الصحيح في تحالف إسلامي منسجم وإن لم يجتمع المسلمون فيه تحت مظلة عمل واحدة.

إلا أن انسجام عطاءاتهم وتناغم جهودهم سيحقق أفضل النتائج بعون الله.

وهذا الحد الأدنى الذي يجب أن تحققه الاستراتيجيات في العالم الإسلامي، أن تتكامل وتتساند وتعضد بعضها بعضًا إن كانت صادقة في أهدافها الاستراتيجية، ففي ذلك قوة لا تُبارى.

كلّ على ثغره وكلّ مسؤول عن مهامه، جماعات وفرادى، ثم سنشاهد ثمرات الإخلاص في تحقيق الأهداف الكبرى التي لا يختلف عليها مسلمان. قال الله تعالى (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (آل عمران: 103) وقال سبحانه (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال: 46).

فهذه المفاهيم الأساسية في وحدة الصفوف هي الأهداف التي يجب أن تحرص عليها الاستراتيجيات في العالم الإسلامي، وهي موجبة للألفة والنصر والظفر. وإن لم تجمعنا هذه الأهداف الشرعية الكبرى فلن يجمعنا فتات الدنيا. فنحن بأمس الحاجة لما يقرب المسافات ويقوّم المسيرة ويحسن توظيف طاقات الأمة التوظيف الأمثل لتحقيق مشروع الخلافة، والذي هو مشروع الأمة برمتها.

وفي الواقع لا ينقصنا المخلصون لكن ينقصنا الفقه والبصيرة!

____________

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *