المناضل علي بشير يتذكر: مرافقة الشهيد في رحلة عودته إلى الوطن وملابسات استشهاده، وأحداث أخرى

هذه سردية أحد رفاق الشهيد الذين عبروا الحدود معه نحو الوطن، يحكي فيها تجربته مع مجموعة بدر ودخولهم إلى أرض الوطن وعن ملابسات استشهاد الحاج أحمد، وعن اعتقاله ورفيقه الآخر في تلك الرحلة، وعن تجربته في سجن بوسليم وغيرها من الذكريات.

بقلم علي بشير حمودة

الجزء الثالث

سافر أحمد حواس إلى لندن وكان ذلك في نهاية الأسبوع الأول من نيسان أبريل 1984م وحضر مظاهرة نظمتها المعارضة الليبية في لندن استنكاراً لجريمة نكراء للقذافي حين شنق اثنين من السجناء الليبيين هما رشيد كعبار ومحمد مهذب حفاف، الأول من جماعة الشيخ الشهيد محمد البشتي الذي قتلته اللجان الثورية في نوفمبر 1981م، أما محمد مهذب حفاف فهو من بقية أعضاء حزب التحرير، وتمّ إطلاق النار على المتظاهرين من مبنى سفارة القذافي وسقط عدة جرحى وماتت شرطية إنجليزية نتيجة إصابتها، وقد كان لهذا الحادث أصداء واسعة النطاق ومما أسجله هنا وعقب دخولي السجن وبعد سنين التقيت المناضل البطل أحمد الثلثي – رحمه اللهالذي أخذه الحرس من قاطعنا فجر السبت يوم مذبحة أبوسليم ليقتل ـ لقد ذكر لي أنه كان في سيارة الإسعاف مع بعض الجرحى ومنهم الشرطية التي قالت للمجموعة: نحن متأسفون لأننا لم نستطع حمايتكم.

إلى الوطن عبر الدروب والمغامرة

بعد أن تلقيت الإشارة من أحمد سافرت إلى تونس وفي طريقي مررتُ بالقاهرة وبقيت فيها يومين من أواخر أبريل 1984م، ووصلت العاصمة التونسية في ساعة متأخرة من الليل ونقلني التاكسي إلى فندق قديم اسمه نُزل تيرزا وعقب وصولي اتصلت من الفندق بالسيد علي أبوزيد رحمه اللهالذي جاءني صباحاً ونقلني إلى فندق آخر اسمه : نزل فرنسا بنهج الحبيب تامر، وقد أمضيت فيه بقية المدّة إلى أن غادرته إلى ليبيا، ويوم 2 أو 3 مايو وصل أحمد حواس إلى تونس ونزل بفندق السفير، لأنه كان يحمل جواز سفر دبلوماسي والتقيته مساء ذلك اليوم هو وعلي أبوزيد وتناولنا طعام العشاء معا في أحد مطاعم العاصمة وتحدثنا بخصوص كيفية الدخول، فذكر علي أبوزيد أن الدخول عن طريق ترتيب الإخوة في الداخل يحتاج إلى عدّة أيام، نظراً لبعض الأحداث التي حصلت ومنها حرق المحكمة في زوارة على خلفية نزاع بين أهل زوارة والجميل أمّا الدخول عن طريق المهربين فممكن وخلال يومين فقط، وكان رأيي انتظار ترتيب الإخوة في الداخل فهو أقل خطراً من التعامل مع من لا نثق بهم كثيراً ولا تربطنا بهم صلة، لكنّ أحمد أصرّ على ضرورة الدخول بأسرع وقت وعن طريق المهربين، لأنّ الأمر لا يحتمل التأخير، وفي اليوم التالي وكان الجمعة صلينا الجمعة بمسجد اسمه مسجد السلام والعجيب أنّ الخطيب كان حديثه عن الجهاد والبذل والتضحية، ثمّ أخذنا علي أبوزيد لبيته حيث تناولنا طعام الغداء، وقال لي أحمد –ليعطيني فكرة عن علاقته بعلي بوزيد – لقد كنت وعلي في أسرة واحدة منذ عشرين سنة، يعني أيام كانا في جماعة الإخوان خلال منتصف الخمسينيات ثم خرجنا في جولة بمنطقة سيدي بوسعيد وعدنا مساء وقد اتفقنا على السفر صباح السبت 5 مايو، فجاءني علي أبوزيد في .الفندق بسيارته ومعه أحمد حواس وركبت معهما وانطلقنا إلى محطة القطارات الرئيسة بتونس وهناك ودعنا علي رحمه الله الوداع الأخير الذي لم يكن بعده لقاء

ركبنا القطار الذي كان متوجها إلى مدينة قابس، جلسنا على كرسيين متجاورين وعند التاسعة صباحاً انطلق القطار بعد أن امتلأت عرباته بالركاب والأمتعة، وعبر النافذة كنت أتابع ما نمرّ به من مناظر ومناطق مختلفة وكان الناس من حولنا يتحدثون في شئون صغيرة تهمهم ولا تهمنا وعن أمور قريبة هي في متناول أيديهم، أما نحن – وهذه سنة الحياةفكان لنا شأن آخر، ونستعد لرحلة لا يزال جزء من مراحلها في منطقة آمنة إلى حدّ ما، لكنّ العدّ التنازلي للتماس مع المغامرة والمخاطرة قد بدأ فعلا، ولا بدّ مما ليس منه بدّ، وللحقيقة والتاريخ كنا ومع كل ما نستقبله من خطر ونودّعه من أمان كنا في طمأنينة وسكينة لها سرّها عجيب، وكان أحمد رحمه اللهكما لو كان في حالته العادية، بشوشاً متفائلاً مؤمناً مطمئناً راكناً إلى قول الله تعالى قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هذه هي المرّة الثانية والأخيرة التي أسافر فيها معه، أما الأولى فكانت في موسم الحج عام 1403هـ 1983م وكان يوم عرفة في تلك السنة قد وافق الجمعة و كان معنا في تلك الحجّة من أعضاء الجبهة : علي زيدان و د/ سليمان عبدالله و محمد سعد معزب ويونس جويلي وأنور المقريف، وعند نفرة الحجيج مع غروب شمس ذلك اليوم بحثتُ عن أحمد الذي افتقدناه في تلك اللحظات فوجدته تحت شجرة في صعيد عرفات وقد اغرورقت عيناه بدموعه ولسانه يردد : “اللهم إني أسألك الشهادة في سبيلك اللهم إني أسألك الشهادة في سبيلككان هذا هو دعاؤه، وقد عرفته عن قرب في تلك الرحلة وكان من نعم الله عليه طمأنينة قلبه وسكينة نفسه وهدوء أعصابه مهما توتر الموقف من حوله، كما أنه يملك أمر نومه في أية لحظة يشاء، بل إنه أحياناً يتكئ على ساعده ويقول لي : أيقظني بعد خمس دقائق..

وفي القطار كان ينام من حين لآخر أما أنا فلا أذكر أنني نمت ولو قليلاً، ومع الواحدة ظهراً نزلنا في قابس، وتناولنا طعام الغداء في أحد المطاعم، وصلينا الظهر والعصر جمع تقديم ثم ركبنا حافلة عتيقة قد أكل الدهر عليها وشرب، لتنطلق بنا إلى مدينة (مدنين) كان الجميع في تلك الحافلة يعرفون بعضهم وكنا نحن الوحيدين الغريبين ترمقنا الأنظار ولربما ظنوا أننا سيّاح، كانت الحافلة العتيقة لا تكاد تنطلق حتى تقف لراكب يريد أن يصعد أو آخر يريد أن ينزل، والركاب يسأل بعضهم بعضاً عن حاله ووجهته وسبب خروجه، كانوا أناساً بسطاء على الفطرة وكانت المشاهد مضحكة أحياناً، وغريبة أحياناً أخرى، وهي إحدى الصور الحياتية البسيطة التي بدأت تختفي بتدرج نظراً لتبدل وتغيّر أحوال الناس ووسائل حياتهم، ومن طريف ما رأيت وما زلت أذكره أنّ إحدى الراكبات كانت تحمل قفّة بها بعض الأشياء منها قنينة زجاج وقد وضعتها قرب باب الحافلة الخلفي، وحين نزل أحد الركاب وكان رجلاً طاعناً في السنّ فتعثرت قدمه بتلك القفّة عند نزوله فانكفأت القنينة وانسكب ما فيها، وإذا بالمرأة تطلق لسانها ساخطة داعية عليه: “الله يجعل لحمه افتاريش بزّع الكيف امتاع الشايب يا نهاري لحرفيبدو أنّ الزجاجة كانت تحتوي على خمر مسكرة جلبته إلى زوجها.

بعد العصر بقليل وصلنا إلى مدنين وعلى الفور ركبنا سيارة أجرة لتقلنا إلى مدينة بن قِرْدان الحدودية التي وصلنا إليها قبيل المغرب وهناك التقينا بـ (عمر) كبير المهربين حيث كان تحت إمرته الأدلاء الذين كان يشرف على توزيعهم وأدوارهم وينادونه يا (عَرْفي) وفي سيارته (البيجو 404) ركبنا وانطلقنا إلى فندق صغير كان يقيم فيه عماد الحصايري أحد الفدائيين والذي تأخرت عملية دخوله فكان القدر أن ندخل معاً، وركب معنا الدليل الذي سيشق بنا طريق الدخول (المبروك اللافي) شاب في بداية العشرينيات من عمره قال فيما بعدإنه يرجع إلى أصول ليبية، وانطلقت بنا سيارة عمر إلى الحدود شرقاً ثمّ توقف عند مرتفع اسمه (ظهْرة الخُصّ) –على ما أذكرونزلنا كلنا ثم قال عمر: هنا نهاية التراب التونسي وأشار بيده إلى خط الرحلة مُوصياً الدليل ببعض الوصايا، وغادر المكان بسرعة البرق، هناك صلينا المغرب والعشاء جمع تقديم وانطلقنا حين بدأ الليل يرخي سدوله على الأفق.

عبور السبخة

بدأنا سيرنا وسط سبخة كانت بها الألغام والبالوعات الخطرة وكانت بوابة رأس جدير على شمالنا مسافة 3 أو 4 كم في تقديري، وكانت هناك سيارة دورية (ليبية) تتحرك وتطلق كشافاتها فكنا نكمن ونكف عن كل حركة، ثم ننطلق من جديد ثم توقفنا وأكلنا بعض ما حملناه من تمر وحليب ثم صرنا نسير في أخاديد متوازية من التربة شبه المتحركة، وكانت الأرضية متعبة، وكان كل منا يحمل حقيبة على كتفه، وبدأ الإعياء يلحق بأحمد رحمه الله واشتد الألم بإحدى رجليه فكان يجلس قليلا ليرتاح إلا أنّ الدليل المبروككان يزعجه ذلك وأحمد يدعو للتحرك فوراً، مشيراً إلى خطورة التباطؤ حتى إنه في إحدى المرات هدد بتركنا فقال له أحمد: مع السلامة، واستمر سيرنا إلى ما قبل الفجر بقليل، وعندها وصلنا نقطة قرب زلطن وعلى أحد جوانب الطريق الساحلي كان هناك منخفض جلسنا فيه ننتظر سيارة ستأتي وتعطي إشارة ضوئية فنخرج إليها، ولم نلبث كثيراً حتى جاءت السيارة (داتسون 120) خرجنا وركبنا وانطلقت بنا السيارة إلى بلدة الجميل، وأنزلنا الرجل في بيته ثم دخل لينام أما نحن فصلينا الفجر واتكأنا قليلاً وضعت مسدسي تحت رأسي وأغفيت قليلا وإذا بي أرى إبراهيم صهد في نومي ليقول لي وبلهجة صارمة: “اقتل، اقتل، اقتلوبعد قليل دخل صاحب البيت والذي عرفت فيما بعد أن اسمه (المبروك ضياف) ومعه طعام إفطار وسرعان ما ركبنا سيارته وانطلقنا إلى مدينة زوارة، وحين دخولنا لزوارة نزل الدليل التونسي (المبروك اللافي) وذهب لشأنه.

و كان أحمد حواس رحمه اللهله موعد مع الشيخ محمد سعيد الشيباني وخالد علي يحيى بمنطقة الجمرك بزوارة ولما لم نجدهما انطلقنا إلى محطة التاكسي، ونزلنا وأخذنا أمتعتنا ووجدنا سيارة أجرة تحتاج ثلاثة ركاب لتنطلق إلى طرابلس فركبنا وما هي إلا لحظات حتى توقفت سيارة بيجو (504) وطلبوا هوياتنا والقي القبض علينا وتم نقلنا إلى إحدى شقق البحث الأمن قرب محطة تاكسي زوارة، وطول الطريق كنت أهمز بركبتي ركبة أحمد –رحمه الله– لنقوم بعمل ما أثناء الطريق لكنه لم يبد أي حركة أو أو إشارة ، أنزلنا من السيارة ودفعنا إلى سلم يصعد إلى إحدى الشقق، ودفع أحمد –رحمه الله– إلى أول غرفة في المدخل أما أنا وعماد فأمرنا بالجلوس على كرسي خشبي طويل على يسار الداخل، ولم نلبث قليلاً حتى دوى صوت الرصاص انطلقت رصاصة تبعتها رصاصة أخرى وخرج أحد عناصر الأمن وهو يصرخ ويحرك أقسام مسدسه فبادرته وأطلقت النار عليه وفي هذه اللحظة انفتح باب إحدى الغرف المغلقة لأرى بها حوالي خمسة عشر شخصاً فوقفت بالباب أنا وعماد لنمنعهم من الخروج، كان معظم بعض هؤلاء مسلحين وأطلقوا النار علينا، فبادلناهم الرصاص، كنت واقفاً بالباب وكان الرصاص يكاد يلامس رأسي يمنة ويسرة لكنه لا يصيبني واستمرت المعركة حوالي ربع الساعة، ونفدت ذخيرتي ومن حجرة أخرى أخذ بعضهم يطلق النار علي لكنه لم يستطع إصابتي وكنت أرجو أن أقتل في تلك اللحظات لأنني أعلم ما معنى أن يقبض علي حياً.

خرج عماد الحصايري بعد أصابته رصاصة في صدره تحت القلب وتقدم أحدهم نحوه ليقبض عليه فاستل عماد خنجره وطعنه طعنةً نافذة مزقت أحشاءه، واستطاع الخروج ولكنه كان ينزف ودمه يقطر فوصلوا إليه بعد ذلك وكان شبه مغمىً عليه أما أنا فخرجت فوجدت أحد أفراد الأمن على أول درجات السلم عند باب الشقة غارقا في دمه ولعله كان قتيلاً، أما أحمد حواس –رحمه اللهفكان ملقى على ظهره في الغرفة الأولى وقد استشهد عقب إطلاقه النار على المدعو علي الهوش (برتبة نقيب) وسقط الهوش قتيلاً إلا أن العنصر الثاني أطلق النار على أحمد –رحمه اللهوخرجت من الشقة لم يمسسني شيء بعد، وكنت أظن أنني لن أصل أسفل السلم حياً، لكن أحداً لم يعترضني، وكنت أخطو درجات السلم شاهراً مسدسي، نزلت وخرجت من المبنى ولم أجد أحداً فأخفيت سلاحي واستدرت يساراً وسرت عبر الطريق ثم دخلت شارعاً أكبر وسرت مسافة طويلة، وفجأة توقفت أمامي سيارة (مازدا 323) كانت مليئة بخمسة أو ستة أشخاص نزلوا واندفعوا نحوي فأسندت ظهري للحائط ووجهت مسدسي نحوهم فصرخ أحدهم وبلهجة محلية (حيـه عليك عنده اسلاح) فركبوا سيارتهم تلك وانطلقوا من حيث أتوا وتواروا عني، أما أنا فتابعت سيري واجتزت الشارع الرئيسي لأبحث عن مخرج إلى خارج البلدة.

كانت الشوارع شبه مهجورة ولا أذكر أنني رأيت أحداً، فدخلت إحدى الأزقة الصغيرة التي كانت أغلب بيوتها قديمة ومهجورة ومقفلة، لكنني أمام أحد البيوت وجدت امرأة كبيرة في السن تنظف أمام بيتها بعرجون في يدها، فتحدث إليها قليلا واستطعت إقناعها بإيوائي وإدخالي لبيتها، ودخلت، كان أمام البيت سياج على طول واجهة البيت بعرض حوالي ثلاثة أمتار في أحد الطرفين صهريج ماء صغير محفور في الأرض وفي الطرف الآخر زريبة صغيرة للدواجن، وكان مع المرأة ابنة لها عمرها خمسة عشر عاما أو يزيد قليلاً، فاقتربت منا بعض الأصوات فدعتني إلى الاختباء بخزان الماء فنزلت إليه كان سقفه في متناول يدي، فأخذت الفتاة تجمع الحطب فوق الخزان لمواراته وكنت أخرج أحياناً ثم أعود، كنت أسمع طائرة عمودية تحلق وأسمع أيضاً طلقات نار من حين لآخر فأستغرب الأمر، واستمر الحال إلى قبيل الظهر وطلبت من الفتاة سكيناً لكنها ارتعدت وخافت، وفجأة دخلت امرأة البيت وتحدث مع من بالبيت وصار الحديث يعلو شيئا فشيئا حتى صار جدلا حادّا وإذا بالمرأة الداخلة تطل عليّ في مخبأي وتقول لي: “شن درتلنا هذي مرا – أي امرأة كبيرة والحوش فيه بنات وجايين قبل يفتشوا، فقلت لها لا عليك سأخرج الآن ولن أبقى دقيقة واحدة“.

عرفت فيما بعد أنها ابنة للمرأة التي آوتني وهي متزوجة وتسكن في بيت لها، وشاء القدر أن تأتي وتعرف الخبر، وبعد أن قالت ما قالت غادرت البيت، أما أنا فعزمت على ترك البيت وأعددت نفسي للخروج، لكن المرأة التي خرجت – حسب ما سمعتأبلغت أول من لاقته عني ولعلهم لم يكونوا بعيدين فإذا بالسيارات تتدافع وتقف بقوة وانتشر الأفراد المسلحون فوق السطح وحول المكان وعلمت أنني اكتشفت وما عليّ إلا التسليم لأمر الله سألت الله الثبات والشهادة وألا أقع حياً في أيدي هؤلاء المجرمين المتجردين من أدنى درجات الآدمية ومشاعر الإنسانية، نظرت من مخبأي نحو الجهة المقابلة لي من أقصى السياج فرأيت أحدهم وقد أخذ وضع الارتكاز وصوب بندقية كلاشنكوف نحوي، وسمعت أحدهم –وما رأيتهيقول: “غموا عليه بالناروعندها قدّرت أنني لو قفزت وانطلقت نحو العسكريّ المقابل لي فلربما وصلته واختطفت سلاحه أو أصابني فقتلني، وبقدرة عجيبة وغريبة لا أستطيع تفسيرها أمسكت مسدسي بيدي وتشبثت بحواف فتحة الخزان وقفزت فوجدت نفسي واقفاً فوقه وصرخت فيهم : “يا مجرمين يا قتلةواندفعت نحو هدفي لكنه كان أسرع مني وبادرني بصلية رصاص؛ أصيب كف يدي اليسرى فطارت ساعتي من يدي واخترقت رصاصة مرفقي وأحسست بعظم يدي قد انكسر والتوت يدي خلف ظهري واستقرت طلقات ببطني لكنني ما شعرت بها في بداية الأمر وسقطت على الأرض مضرجا بدمي ولساني يردد : اللهم ارزقني الشهادة في سبيلك، وسمعت أحدهم يوجه اللوم لمن أطلق النار عليّ ويقول له : “لم قتلته نريده حياًفقال له: “إنه مسلح وخفت يضربني، ونُقلت إلى الإسعاف وسط صراخ الغوغاء والعبارات النابية والشتائم التي تنم عن سفاهة لا حدود لها، وكنت في حالة بين اليقظة والنوم وبين الإغماء والإفاقة، أشعر ببعض الأشياء من حولي ويغيب عني تمييز بعضها الآخر.

ومما أذكره أنني وصلت إلى المستشفى، ووضعت على سرير العمليات، ثم أفقت بعد العملية، لكنني لا أدري كم لبثت ولا أذكر في أي وقت أفقت ووجدت نفسي ملفوفاً بالشاش الطبي معلق اليد وقد خرجت من جسمي الأنابيب ولفتني أسلاك الأجهزة التي تنبض من حولي والحرس على باب الغرفة والأطباء لا يكادون يخرجون من عندي والآلام الشديدة تمزقني، و كنت أسمع صراخاً شديداً في الغرف المجاورة صادر عن المصابين من عناصر الأمن.

وبدأ التحقيق معي ولست أدري إن كان ذلك في الليل أم صباح اليوم التالي . كان المحقق يحاول أخذ المعلومات مني بصعوبة نظراً لحالتي، وكان الأطباء يقولون لهم: إن الحالة لا تسمح، لكنهم يحاولون: ما اسمك؟ من أي مدينة؟ اعترفتُ باسمي واسم مدينتي مصراتة، ثم بدؤوا السؤال عن بقية المعلومات، فأنكرت معرفتي لأي شيء قالوا لي إن حواس قد اعترف بكل شيء فالأحسن لك أن تعترف، فقلت لهم: إن كان حواس قد اعترف فالقصة كلها عنده أما أنا فلا أعرف شيئاً، لكن الحالة لم تكن تسمح لهم بالاستمرار، وأحسست بتعاطف كبير من بعض أفراد الفريق الطبي والممرضات – أهل زوارة – وأذكر ممرضة اسمها (أم العز) تحضر لي حجر التيمم في خفية عن أعين الحرس الذين كانوا يرصدون كل حركة.

والذي علمته من أهل زوارة الذين لقيتهم في السجن بعد ذلك – أن عناصر الأمن في البداية لم يتعرفوا على أحمد حواس –رحمه اللهوأثناء مطاردتي والبحث عني وصلت طائرة عمودية على متنها – حسبما ذكر لي أهل زوارةأبوبكر يونس والخروبي وخليفة حنيش، وكان الهالك خليفة حنيش يعرف حواس معرفة جيدة لأنه كان تحت إمرته فقد كان الرائد أحمد حواس آمراً لمعسكر جالو بطرابلس وكان الشاويش خليفة أحد ضباط الصف بالمعسكر، فلما رأى أحمد قال لهم : هذا حواس اللي اتدوروا فيه آهو جاكم، ثم وجّه إنذاره الروسيلأهل زوارة : لو ما تجيبوه – وكان يقصدني كمطلوبنحرق زوارة. وأعطاهم مهلة قصيرة.

يتبع في الجزء الرابع

____________

المصدر: قناة غريان الحرة (2013)

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *